بحث عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه , موضوع بحثي شامل عن امير المؤمنين سيدنا عمر

بحث عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه , موضوع بحثي شامل عن امير المؤمنين سيدنا عمر

رضي, امير, عمر, سيدنا, بن, بحثي, بحث, عنه, الفاروق, الله, الخطاب, المؤمنين, عن, موضوع, ,, شامل- Alt 1
ابو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي، الملقب بالفاروق، هو ثاني الخلفاء الراشدين ومن كبار اصحاب الرسول محمد، واحد اشهر الاشخاص والقادة في التاريخ الاسلامي ومن اكثرهم تاثيرا ونفوذا.[1] هو احد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزهادهم. تولى الخلافة الاسلامية بعد وفاة ابي بكر الصديق في 23 اغسطس سنة 634م، الموافق للثاني والعشرين من جمادى الثانية سنة 13 ه.[2] كان ابن الخطاب قاضيا خبيرا وقد اشتهر بعدله وانصافه الناس من المظالم، سواء كانوا مسلمين او غير مسلمين، وكان ذلك احد اسباب تسميته بالفاروق، لتفريقه بين الحق والباطل.
هو مؤسس التقويم الهجري، وفي عهده بلغ الاسلام مبلغا عظيما، وتوسع نطاق الدولة الاسلامية حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان وشرق الاناضول وجنوب ارمينية وسجستان، وهو الذي ادخل القدس تحت حكم المسلمين لاول مرة وهي ثالث اقدس المدن في الاسلام، وبهذا استوعبت الدولة الاسلامية كامل اراضي الامبراطورية الفارسية الساسانية وحوالي ثلثي اراضي الامبراطورية البيزنطية.[3] تجلت عبقرية عمر بن الخطاب العسكرية في حملاته المنظمة المتعددة التي وجهها لاخضاع الفرس الذين فاقوا المسلمين قوة، فتمكن من فتح كامل امبراطوريتهم خلال اقل من سنتين، كما تجلت قدرته وحنكته السياسية والادارية عبر حفاظه على تماسك ووحدة دولة كان حجمها يتنامى يوما بعد يوم ويزداد عدد سكانها وتتنوع اعراقها.[4]

نسبه

اسم عمر بن الخطاب بالخط العربي الثلث العثماني كما يظهر في ايا صوفيا بمدينة اسطنبول بتركيا
هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي[5] بن غالب [6] بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، العدوي القرشي.[7].
وهو ابن عم زيد بن عمرو بن نفيل الموحد على دين ابراهيم. واخوه الصحابي زيد بن الخطاب والذي كان قد سبق عمر الى الاسلام. و يجتمع نسبه مع الرسول محمد في كعب بن لؤي بن غالب.[8] امه: حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وهي ابنة عم كل من ام المؤمنين ام سلمة والصحابي خالد بن الوليد وعمرو بن هشام المعروف بلقب ابي جهل.[9] ويجتمع نسبها مع النبي محمد في كلاب بن مرة.[6] نشاته
ولد بعد عام الفيل، وبعد مولد الرسول محمد بثلاث عشرة سنة.[10] وكان منزل عمر في الجاهلية في اصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية العاقر وبه منازل بني عدي بن كعب، نشا في قريش وامتاز عن معظمهم بتعلم القراءة. وعمل راعيا للابل وهو صغير، وكان والده غليظا في معاملته.[11] وكان يرعى لوالده ولخالات له من بني مخزوم. وتعلم المصارعة وركوب الخيل والفروسية، والشعر. وكان يحضر اسواق العرب وسوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز، فتعلم بها التجارة،[12] التي ربح منها واصبح من اغنياء مكة، رحل صيفا الى بلاد الشام والى اليمن في الشتاء،[13] وكان عمر من اشراف قريش، واليه كانت السفارة فهو سفير قريش، فان وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرا، وان نافرهم منافر او فاخرهم مفاخر رضوا به، بعثوه منافرا ومفاخرا.[14][15][16] نشا عمر في البيئة العربية الجاهلية الوثنية على دين قومه، كغيره من ابناء قريش، وكان مغرما بالخمر والنساء.[17] في عهد النبي محمد
معاداته للمسلمين

الله
هذه المقالة جزء من سلسلة الاسلام عن:
اهل السنة والجماعة
Ahlul Sunnah.png
العقائد السنية◄
شخصيات محورية◄
مصادر التشريع الاسلامي السني◄
المذاهب الفقهية السنية◄
مناهج فكرية◄
التاريخ والجغرافيا◄
اعياد ومناسبات◄
الحركات والتنظيمات◄
كتب الصحاح◄
انظر ايضا◄
يتفق المؤرخون وعلماء الشريعة على ان النبي محمدا بعث سنة 610م وهو في الاربعين من عمره، وكانت الدعوة الاسلامية في بداية عهدها دعوة سرية، وبعد مضي ثلاث سنين من بعثته، امر النبي بالجهر في دعوة الناس الى الاسلام، فعاداه القرشيون لا سيما بعد ان بدا يحقر من شان الهتهم؛ هبل واللات والعزى ومن شان الاصنام جميعها. وهب سادة قريش الى الدفاع عن معتقداتهم، واخذوا يعتدون على المسلمين ويؤذونهم. وكان عمر بن الخطاب من الد اعداء الاسلام واكثر اهل قريش اذى للمسلمين،[18] وكان غليظ القلب تجاههم فقد كان يعذب جارية له علم باسلامها من اول النهار حتى اخره، ثم يتركها نهاية الامر ويقول: “والله ما تركتك الا ملالة”،[19] ومن شدة قسوته جند نفسه يتبع محمد اينما ذهب، فكلما دعا احدا الى الاسلام اخافه عمر وجعله يفر من تلك الدعوة.
بعد ان امر النبي محمد المسلمين في مكة بالهجرة الى الحبشة جعل عمر يتخوف من تشتت ابناء قريش وانهيار اسس القبيلة العريقة عندهم، فقرر الحيلولة دون ذلك بقتل النبي مقابل ان يقدم نفسه لبني هاشم ليقتلوه فتكون قريش قد تخلصت مما يهددها به هذا الدين الجديد.[20] اسلامه
كان عمر يخفي وراء تلك القسوة والشدة رقة نادرة. تحكي هذا زوجة عامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي، وذلك حينما راها عمر وهي تعد نفسها للهجرة الى الحبشة، فقال لها كلمة شعرت من خلالها برقة عذبة في داخله، واحست بقلبها انه من الممكن ان يسلم عمر، وذلك انه قال لها: “صحبكم الله”.[19][21] لم تتوان زوجة عامر بن ربيعة في ان تخبر زوجها بما رات من عمر، فرد عليها بقوله: “اطمعت في اسلامه؟” قالت: “نعم”. ولان الانطباعات الاولى ما زالت محفورة في نفسه، رد عليها زوجها بقوله: “فلا يسلم الذي رايت حتى يسلم حمار الخطاب”.[19] في هذه الفترة كان عمر بن الخطاب يعيش صراعا نفسيا حادا، فقد حدثه قلبه بان هؤلاء الناس قد يكونون على صواب، وراى ان ثباتهم عجيب جدا فيما يتعرضون له، وهم يقرؤون كلاما غريبا لم تسمع قريش بمثله من قبل، هذا اضافة الى ان رئيسهم محمدا ليس عليه من الشبهات شيء، فهو الصادق الامين باعتراف اعدائه من القرشيين.[19] وفي الوقت نفسه حدثه عقله بانه سفير قريش، وقائد من قادتها، والاسلام سيضيع كل هذا، فذلك الدين قسم مكة الى نصفين، نصف يؤمن به ونصف يحاربه، فمنذ ست سنوات والقرشيون يعانون المتاعب والمشاكل بسببه، ويدخلون في مناظرات ومحاورات.[19] وفي غمار هذا الصراع الداخلي ولان من طبعه الحسم وعدم التردد، فقد قرر ان ينتهي من كل ما يؤرقه، واراد ان يخلص نفسه ويخلص مكة كلها ممن احدث فيها هذه البدع وتلك المشاكل، فقرر ان يقوم بما فكر فيه كثير من مشركي قريش قبل ذلك، لكنهم لم يفلحوا فيه، الا وهو قتل محمد.[22] وكان قد دفعه الى اخذ هذا القرار -ايضا- ما حدث قبل يومين من اهانة شديدة لابي جهل في مكة على يد عم النبي محمد حمزة بن عبد المطلب، والذي اصبح على الاسلام، وكان الدافع لذلك نابعا من ان ابا جهل كان خال عمر بن الخطاب، فراى عمر انه قد اصيب في كرامته تماما كما اصيب ابو جهل، ورد الاعتبار في حالة كهذه عند العرب يكون عادة بالسيف. فسن سيفه وخرج من داره قاصدا النبي محمدا، وفي الطريق لقيه نعيم بن عبد الله العدوي القرشي وكان من المسلمين الذين اخفوا اسلامهم، فقال له: «اين تريد يا عمر؟»، فرد عليه قائلا: «اريد محمدا هذا الصابي الذي فرق امر قريش، وسفه احلامها، وعاب دينها، وسب الهتها فاقتله.»، فلما عرف انه يتجه لقتل النبي قال له: «والله لقد غرتك نفسك يا عمر، اترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الارض وقد قتلت محمدا ؟ افلا ترجع الى اهل بيتك فتقيم امرهم؟ فان ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، واختك فاطمة بنت الخطاب قد والله اسلما وتابعا محمدا على دينه؛ فعليك بهما.» فانطلق مسرعا غاضبا اليهما، فوجد الصحابي خباب بن الارت يجلس معهما يعلمهما القران، [23] فضرب سعيدا، ثم ضرب فاطمة ضربة قوية شقت وجهها،[23] فسقطت منها صحيفة كانت تحملها، وحين اراد عمر قراءة ما فيهاابت اخته ان يحملها الا ان يتوضا، فتوضا عمر وقرا الصحيفة واذ فيها: Ra bracket.png طه Aya-1.png ما انزلنا عليك القران لتشقى Aya-2.png الا تذكرة لمن يخشى Aya-3.png تنزيلا ممن خلق الارض والسماوات العلا Aya-4.png الرحمن على العرش استوى Aya-5.png له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى Aya-6.png La bracket.png،[24] فاهتز عمر وقال: “ما هذا بكلام البشر” واسلم من ساعته،[25] في ذلك اليوم من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة من البعثة [26] وذلك بعد اسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاثة ايام،[27] وقد كان يبلغ من العمر ما يقارب الثلاثين سنة، او بضعا وعشرين سنة، على اختلاف الروايات.[28] خرج عمر بعد ذلك الى دار الارقم بن ابي الارقم حيث كان يجتمع النبي محمد باصحابه واعلن اسلامه هناك.[23] وفق المصادر الاسلامية فقد استجاب الله لدعوة النبي محمد، اذ قال: «اللهم اعز الاسلام باحد العمرين، عمر بن الخطاب او عمرو بن هشام. قال: “وكان احبهما اليه عمر”.[29]» وكان قد سبق عمر الى الاسلام تسعة وثلاثون صحابيا فكان هو متمما للاربعين، فعن ابن عباس انه قال: «اسلم مع رسول الله Mohamed peace be upon him.svg تسعة وثلاثون رجلا، ثم ان عمر اسلم، فصاروا اربعين، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: ﴿يا ايها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾.[30]»
وفي رواية اخرى ان عمر اسلم بعد هجرة المسلمين الى الحبشة -في السنة الخامسة للبعثة– اي انه اسلم في السنة السادسة للبعثة. كما روي ان عمر قد اسلم قبل الهجرة الى المدينة المنورة بقليل في السنة الثالثة عشرة من البعثة. حيث ذكر بعض المؤرخين ان عمر اسلم بعد 40 او 45 رجلا،[31] بينما كان كل المهاجرين من المسلمين الذين اخا النبي بينهم وبين الانصار في المدينة المنورة لا يتجاوزون هذا العدد الا بقليل،[32] وعليه ترجح بعض الروايات ان عمر كان من اواخر من اسلموا من المهاجرين حيث ذكر بعض المؤرخين ان عمر دنا من محمد في مكة وهو يصلي ويجهر بالقراءة فسمعه يقرا في صلاته الجهرية بالمسجد الحرام ايتين من سورة العنكبوت: Ra bracket.png وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون Aya-48.png بل هو ايات بينات في صدور الذين اوتوا العلم وما يجحد باياتنا الا الظالمون Aya-49.png La bracket.png، فتاثر عمر واسلم.[33] وقد كانت سورة العنكبوت اخر سورة نزلت في مكة قبل الهجرة الى يثرب.
كان المسلمون قبل اسلام عمر وحمزة يخفون ايمانهم خوفا من تعرضهم للاذى، لقلة حيلتهم وعدم وجود من يدافع عنهم، اما بعد اسلامهما فاصبح للمسلمين من يدافع عنهم ويحميهم، لا سيما انهما كانا من اشد الرجال في قريش وامنعهم، وكان عمر يجاهر بالاسلام ولا يخشى احدا، فلم يرض مثلا عن اداء المسلمين للصلاة في شعاب مكة بعيدين عن اذى قريش، بل فضل مواجهة القوم بكل عزم، فقام وقال للنبي: “يا رسول الله السنا على الحق؟”، فاجابه: “نعم”، قال عمر: “اليسوا على الباطل؟”، فاجابه: “نعم”، فقال عمر بن الخطاب: “ففيم الخفية؟”، قال النبي: “فما ترى يا عمر؟”، قال عمر: “نخرج فنطوف بالكعبة”، فقال له النبي: “نعم يا عمر”،[23] فخرج المسلمون لاول مرة يكبرون ويهللون في صفين، صف على راسه عمر بن الخطاب وصف على راسه حمزة بن عبد المطلب وبينهما النبي محمد، حتى دخلوا وصلوا عند الكعبة. ومن بعيد نظرت قريش الى عمر والى حمزة وهما يتقدمان المسلمين، فعلت وجوههم كابة شديدة،[34] يقول عمر: «فسماني رسول الله Mohamed peace be upon him.svg الفاروق يومئذ».
كان اسلام عمر حدثا بارزا في التاريخ الاسلامي، فقد قوى وجوده في صف المسلمين شوكتهم، واصبح لهم من يدافع عنهم ويحميهم من اذى من بقي على الوثنية، ويلاحظ فرحة المسلمين باسلام عمر في عدة اقوال منسوبة الى عدد من الصحابة، منها ما قاله صهيب الرومي: «لما اسلم عمر ظهر الاسلام، ودعي اليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما ياتى به‏»، وما قاله عبد الله بن مسعود: «ما كنا نقدر ان نصلي عند الكعبة حتى اسلم عمر‏»، و:«ما زلنا اعزة منذ اسلم عمر».[35] هجرته الى المدينة وحياته فيها
Crystal Clear app kdict.png طالع ايضا: الهجرة النبوية غزوة بدر غزوة احد غزوة بني النضير غزوة الخندق غزوة خيبر غزوة حنين غزوة الطائف غزوة تبوك
امر النبي محمد اتباعه بالهجرة الى مدينة يثرب حوالي سنة 622م بعد ان اتاه وفد من اهلها وعاهدوه على الامان ودعوه الى ان ياتيهم ويسكن مدينتهم بعد ان امن بدعوته اغلب ابنائها. فهاجر معظم المسلمين الى يثرب سرا خوفا من ان يعتدي عليهم احد من قريش، الا عمر وفق اشهر الروايات عند اهل السنة والجماعة، حيث تنص ان عمر لبس سيفه ووضع قوسه على كتفه وحمل اسهما وعصاه القوية، وذهب الى الكعبة حيث طاف سبع مرات، ثم توجه الى مقام ابراهيم فصلى، ثم قال لحلقات المشركين المجتمعة: «شاهت الوجوه، لا يرغم الله الا هذه المعاطس، من اراد ان تثكله امه وييتم ولده او يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي».[36][37] فلم يتبعه احد منهم الا قوم مستضعفون ارشدهم وعلمهم ومضى.[38][39] وصل عمر يثرب التي سميت المدينة المنورة ومعه ما يقارب العشرين شخصا من اهله وقومه، منهم اخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله ولدا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي القرشي زوج ابنته حفصة، وابن عمه سعيد بن زيد احد المبشرين بالجنة.[28] ونزلوا عند وصولهم في قباء عند رفاعة بن عبد المنذر الاوسي. وكان قد سبقه مصعب بن عمير وابن ام مكتوم وبلال بن رباح وسعد وعمار بن ياسر.

رسم من القرن الرابع عشر يظهر استسلام بني النضير الى المسلمين. كانت غزوة بني النضير احدى ابرز الغزوات التي شارك فيها عمر بن الخطاب.
وفي المدينة المنورة اخى النبي محمد بينه وبين ابي بكر،[39] وقيل عويم بن ساعدة الاوسي،[40] وقيل عتبان بن مالك الخزرجي،[41] وقيل معاذ بن عفراء الخزرجي،[39] وقال بعض العلماء انه لا تناقض في ذلك لاحتمال ان يكون الرسول قد اخى بينه وبينهم في اوقات متعددة.[42] بقي المسلمون في المدينة بامان طيلة سنة تقريبا، اذ ما لبثت قريش ان حشدت جيشا لقتالهم، ووقعت بينها وبين المسلمين عدة معارك، وقد شهد عمر بن الخطاب كل الغزوات مع الرسول محمد وفقا لابن الجوزي،[43] ففي غزوة بدر كان عمر ثاني من تكلم ردا على الرسول محمد عندما استشارهم قبل غزوة بدر بعد ابي بكر، فاحسن الكلام ودعا الى قتال المشركين. وقد قتل عمر خاله العاص بن هشام في تلك الغزوة. وفي غزوة احد رد عمر على نداء ابي سفيان حين سال عمن قتل، وكان عمر من الاشخاص الذين اعتقدوا ان محمدا قد قتل في تلك المعركة، ولما عرف انه ما زال على قيد الحياة وقد احتمى بالجبل، اسرع اليه ووقف يدافع عن المسلمين ضد من يحاول الوصول اليهم من القرشيين.[44] في شهر ربيع الاول سنة 4 ه،[45] شارك عمر في غزوة بني النضير بعد ان هم يهود بني النضير بالغدر وقتل النبي محمد، فنقضوا بذلك الصحيفة، فامهلهم النبي محمد 10 ايام ليغادروا المدينة،[45] فرفضوا وتحصنوا بحصن لهم، فحاصرهم النبي 15 يوما،[45] وقيل 6 ليال،[46] ثم اجلاهم عن المدينة فحملوا النساء والصبيان وتحملوا على 600 بعير، فلحقوا بخيبر، وغنم المسلمون من اموالهم وما تركوه وراءهم.[47] في عام 625 تزوجت حفصة بنت عمر بالرسول محمد، [48] وبعد ذلك بعامين تقريبا، شارك عمر في غزوة الخندق كما قاتل في غزوة بني قريظة،[49] وشارك في صلح الحديبية سنة 628 بصفته شاهدا،[49] ويحكي عمر بن الخطاب مجيئه الى النبي محمد غاضبا عند كتابة ذلك الصلح حيث تضمن شروطا مجحفة بحق المسلمين، فقال: «فاتيت نبي الله، فقلت: “الست نبي الله حقا؟”، قال: “بلى”. قلت: “السنا على الحق وعدونا على الباطل؟” قال: “بلى”، قلت: “فلم نعطي الدنية في ديننا اذا؟”، قال: “اني رسول الله ولست اعصيه وهو ناصري”. قلت: “اوليس كنت تحدثنا انا سناتي البيت فنطوف به؟” قال: “بلى. افاخبرتك انك تاتيه العام؟” قلت : “لا”. قال: “فانك اتيه ومطوف به”». واتى عمر ابا بكر وقال له مثل ما قال لمحمد، فقال له ابو بكر: «انه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله انه على الحق»، وقال عمر: «ما زلت اصوم واتصدق واعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت ان يكون خيرا»، ولم تطب نفس عمر الا عندما نزل القران مبشرا بفتح مكة.[50] وفي نفس السنة شارك عمر في غزوة خيبر، ثم انضم هو وابو بكر يصحبهم مائتا صحابي تحت قيادة ابي عبيدة بن الجراح، الى الصحابي عمرو بن العاص الذي كان يقاتل القبائل العربية الموالية للروم في شمال شبه الجزيرة العربية، وذلك بعد ان طلب المدد من الرسول،[51] فانزلوا هزيمة قاسية بالاعداء.[52] عاد عمر الى مكة مع باقي المسلمين بعد 8 سنوات من الهجرة، فدخلوها فاتحين سنة 630، وخلال العام نفسه شارك في غزوة حنين وحصار الطائف وغزوة تبوك، ويقال انه منح نصف ثروته لتسليح الجيش واعداد العدة لتلك الغزوة الاخيرة. وفي عام 631 ادى عمر الحج مع النبي محمد،[53] في حجة الوداع[54].
وفاة النبي محمد
توفي النبي محمد يوم 7 يونيو سنة 632م، الموافق ليوم 12 ربيع الاول سنة 11 ه. ولما شاع خبر انتقال الرسول الى الرفيق الاعلى، اضطرب المسلمون اضطرابا شديدا، وذهل بعضهم فلم يصدق الخبر وكان عمر منهم،[55] فقام يقول: “والله ما مات رسول الله Mohamed peace be upon him.svg”، فقد كان يعتقد بعدم موته تمام الاعتقاد، حتى انه قال في رواية اخرى: “والله ما كان يقع في نفسي الا ذاك”، اي لا اعتقد الا انه لم يمت فعلا، ثم قال عمر: “وليبعثنه الله فليقطعن ايدي رجال وارجلهم يزعمون انه مات”.[56] وفي رواية ثانية يقول: «ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله توفي، ان رسول الله ما مات، لكن ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه اربعين ليلة، ثم رجع اليهم بعد ان قيل قد مات».[56] ظل المسلمون على هذه الحالة يتمنون صدق كلام عمر، حتى جاء ابو بكر من السنح على دابته ونزل بباب المسجد ودخل بيت عائشة، وكشف عن جثمان النبي محمد وجثى عليه يقبله ويبكي، ثم خرج الى المسجد حتى اتى المنبر[57] فوجد عمر يقول ما يقول، ويقسم على ان النبي لم يمت، فقال: «ايها الحالف على رسلك»، وفي رواية اخرى قال له: “اجلس يا عمر”.[56] فجلس عمر وجلس الناس، فتشهد ابو بكر وحمد الله واثنى عليه ثم قرا اية من ايات سورة ال عمران: ﴿وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾. وعندما تلا ابو بكر الصديق هذه الاية سمعها عمر والمسلمون كانهم لم يسمعوها من قبل، ثم تابع يقول: «الا من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت».[58] وفي رواية اهل السنة، فان عمر لما سمع كلام ابي بكر وايقن حق اليقين ان الرسول قد مات، هوى على ركبتيه يبكي،[55] وفي هذه النقطة قال عمر: «والله ما هو الا ان سمعت ابا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى اهويت الى الارض حين سمعته تلاها، علمت ان النبي قد مات».[56] في عهد ابي بكر الصديق
كان عمر بن الخطاب المساعد الاول لابي بكر الصديق وساعده الايمن ومستشاره الاساسي طوال خلافته،[59] وكان مستشاره العسكري الابرز الذي ساعده في حروبه، لا سيما حروب الردة.[60] وقد قال ابو بكر الصديق مرة: “ما على ظهر الارض رجل احب الي من عمر”. وقد كان ابو بكر يستشير عمر في تعيين القادة العسكريين وعزلهم. فقد ولى ابو بكر مثلا خلال فتح الشام الصحابي سعيد بن العاص الاموي على الجيش الفاتح، غير انه عزله بعدها قبل ان يبدا السير، نظرا لاعتراض عمر الشديد عليه. كما كان عمر عونا كبيرا له في وضع خططه العسكرية والاستراتيجية.[61] وعندما اجتمع الانصار في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة من بعده، سمع عمر بن الخطاب بذلك، فذهب على الفور الى ابي بكر الصديق[62][63] وهو في منزل الرسول، وبلغه الخبر، وانضم اليهما ابو عبيدة بن الجراح فساروا معا الى السقيفة.[64] وقال ابو بكر عندما دخل: “ما هذا؟”، فاجابوه “منا امير ومنكم امير”، فقال: “منا الامراء ومنكم الوزراء”. ثم عرض عليهم احد مرافقيه ليصبح الخليفة فقال: “لقد رضيت لكم احد هذين الرجلين – عمر وابي عبيدة امين هذه الامة-“.[65] غير ان احد الانصار قال بصوت عال: “انا جذيلها المحنك وعذيقها المرجب، منا امير ومنكم امير”، فتعالت الاصوات واللغط، واختلف الناس فيمن سيكون الخليفة،[66] حتى قام عمر وقال: “ايكم يطيب نفسا ان يخلف قدمين قدمهما النبي Mohamed peace be upon him.svg؟”،[65] ثم قال لابي بكر “ابسط يدك لابايعك”، فبايعه عمر بن الخطاب،[66] وتبعه الناس فبايعوه.[65] لم يكن الجميع راضين عن القرار، اذ لم يرض بعضهم بمبايعة غير علي بن ابي طالب، فقال الزبير: “لا اغمد سيفا حتى يبايع علي”، فقال عمر: “خذوا سيفه واضربوا به الحجر”. وقد تمكن عمر من دفع الكثير من الانصار الى مبايعة ابي بكر.[65] وقد خطب الجمعة باهل المدينة مرة فقال: “انه بلغني ان قائلا منكم يقول: لو مات امير المؤمنين بايعت فلانا، فلا يغرن امرا ان يقول: ان بيعة ابي بكر كانت فتنة، فقد كان كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع اليه الاعناق مثل ابي بكر، وانه كان خيرنا حين توفي رسول الله”.[67] وقد كان لعمر بن الخطاب دور كبير في معونة ابي بكر ببداية خلافته في تنظيم امور الدولة، واخذ البيعة، وتثبيت الحكم.[68] كان من اولى واكبر التحديات التي واجهت ابا بكر في خلافته حروب الردة، التي بدات بامتناع بعض قبائل العرب عن اداء الزكاة الى الخليفة الجديد، وكانت البداية بقبائل قليلة مثل عبس وذبيان وغطفان، غير ان العدد ازداد لاحقا، فانتشرت حركة الردة في انحاء شبه الجزيرة العربية.[69] كما كثر مدعو النبوة، فكان منهم مالك ووكيع وسجاح، اما اقواهم واكثرهم نفوذا فكان مسيلمة الكذاب.[70] وقد انقسم الصحابة في الراي حول كيفية التعامل مع الوضع، فاشار عمر بن الخطاب -وطائفة كبيرة من الصحابة- على ابي بكر بعدم دخول الحرب معهم، والتنازل عن امتناعهم عن الزكاة، خصوصا مع عدم وجود قوة عسكرية تحمي المدينة من الهجمات. غير ان ابا بكر اصر على موقفه بشدة، وقال: “والله لو منعوني عقالا (الحبل الذي يجر به البعير) لجاهدتهم عليه”.[71] انتهت حروب الردة بمعركة اليمامة، التي قتل فيها الكثير من الصحابة،[72] من بينهم مئات من حفظة القران، وقد اختلف المؤرخون حول عددهم، فقال بعضهم انه قتل 500 من حفظة القران في المعركة، وقال اخرون 700.[73] وقد فزع عمر بن الخطاب عندما سمع بهذه الاعداد، وخشي ان يقتل المزيد منهم في المعارك والحروب، فيضيع شيء من القران.[74] فاخبر ابا بكر بمخاوفه، اذ جاءه وقال له: “ان القتل استمر بقراء القران، واني اخشى ان يستمر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القران، واني ارى ان تامر بجمع القران”، غير ان ابا بكر تخوف من الامر وقال: “كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله Mohamed peace be upon him.svg؟”.[75] فرد عمر قائلا : “ارى والله انه خير”، وظل يصر ويحاور ابا بكر حتى اقتنع، فاستدعى زيد بن ثابت الانصاري وامره بتولي المهمة.[76] وقد قال ابو بكر لزيد: “انك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القران فاجمعه”، غير ان زيدا تخوف من المهمة، وقال في وصف الحادثة: “فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل علي مما امرني به من جمع القران – قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله؟”، فكرر ابو بكر: “هو والله خير”، ولم يزل فيه حتى اقتنع هو الاخر، فذهب وجمع القران في مصحف واحد. وقد بقي المصحف عند عمر بعد وفاة ابي بكر، ثم انتقل الى ابنته حفصة.[75] وكان من بين من قتلوا في معركة اليمامة اخوه زيد بن الخطاب، وعندما جاءه ابنه عبد الله بعد المعركة – وكان يقاتل فيها مع زيد – قال له عمر زاجرا اياه: “الا هلكت قبل زيد؟ هلك زيد وانت حي! الا واريت وجهك عني؟”، فاجابه: “سال الله الشهادة فاعطيها، وجهدت ان تساق الي فلم اعطها”.[77] وبعد ان اصبح ابو بكر خليفة، قال مرة لعمر وابي عبيدة بن الجراح: “انه لابد لي من اعوان”، فقال عمر: “انا اكفيك القضاء”، والثاني قال: “انا اكفيك بيت المال”.[78][79] وظل عمر في سدة القضاء بالمدينة مدة سنة كاملة،[78] لم يختصم اليه احد خلالها، حتى جاء في يوم الى ابي بكر طالبا منه اعفاءه من القضاء، فساله ابو بكر مستغربا: “امن مشقة القضاء تطلب الاعفاء يا عمر؟”، فاجابه عمر:[80] «لا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا حاجة بي عند قوم مؤمنين، عرف كل منهم ما له من حق، فلم يطلب اكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في ادائه، احب كل منهم لاخيه ما يحب لنفسه، اذا غاب احدهم تفقدوه، واذا مرض عادوه، واذا افتقر اعانوه، واذا احتاج ساعدوه، واذا اصيب عزوه وواسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ ففيم يختصمون؟»
مبايعته بالخلافة

تخطيط لاسم عمر بن الخطاب.
عندما اشتد على ابي بكر مرض موته، جمع كبار الصحابة وقال لهم: “انه قد نزل بي ما قد ترون، ولا اظنني الا ميتا، وقد اطلق الله ايمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدي، ورد عليكم امركم، فامروا عليكم من احببتم، فانكم ان امرتم في حياة مني كان اجدر الا تختلفوا بعدي”. فاخذ الصحابة الذين جمعهم يتعففون، فيرى كل منهم في الاخر قدرة اكبر على تولي مسؤولية الخلافة، فعادوا الى ابي بكر وقالوا له طالبين مساعدته باختيار الخليفة: “ارنا يا خليفة رسول الله رايك”، قال: “فامهلوني حتى انظر لله ولدينه ولعباده”.[81] وبعد فترة من التفكير استدعى ابو بكر الصحابي عبد الرحمن بن عوف وقال له: “اخبرني عن عمر؟”، فاجابه: “انه افضل من رايك الا ان فيه غلظة”، فقال ابو بكر: “ذلك لانه يراني رفيقا، ولو افضي الامر اليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد رمقته فكنت اذا غضبت على رجل اراني الرضا عنه، واذا لنت له اراني الشدة عليه”.[82] ثم دعا عثمان بن عفان، وقاله له كذاك: “اخبرني عن عمر”، فقال: “سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله”، فقال ابو بكر للاثنين: “لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له ان لا يلي من اموركم شيئا، ولوددت اني كنت من اموركم خلوا وكنت فيمن مضى من سلفكم”.[83] ثم جاء طلحة بن عبيد الله الى ابي بكر وقال له غاضبا: “استخلفت على الناس عمر وقد رايت ما يلقى الناس منه وانت معه، وكيف به اذا خلا بهم وانت لاق ربك فسائلك عن رعيتك!”،[82] فقال ابو بكر: “اجلسوني” فاجلسوه، ثم اجابه: “ابالله تخوفني! اذا لقيت ربي فسالني قلت: استخلفت على اهلك خير اهلك”.[60] وبعد ذلك استدعى ابو بكر عثمان بن عفان مجددا، فقال له: “اكتب: ، هذا ما عهد ابو بكر بن ابي قحافة الى المسلمين، اما بعد…” لكن اغمي عليه في تلك اللحظة قبل ان يكمل كلامه، فكتب عثمان: “اما بعد فاني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم خيرا”. وعندما استيقظ ابو بكر من اغماءته قال لعثمان: “اقرا علي”، فقرا عثمان، وعندما انتهى كبر ابو بكر وقال: “اراك خفت ان يختلف الناس ان مت في غشيتي؟”، قال: “نعم”، فقال: “جزاك الله خيرا عن الاسلام واهله”.[83] وبعد ان كتب العهد امر ابو بكر ان يقرا على الناس، فجمعهم وارسله مع احد مواليه الى عمر بن الخطاب، فقال عمر للناس: “انصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فانه لم يالكم نصحا”، فهدا الناس وتوقفوا عن الكلام، ولم يعترضوا بعد سماع العهد. ثم جاءهم ابو بكر وقال: “اترضون بما استخلفت عليكم؟ فاني ما استخلفت عليكم ذا قرابة، واني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا له واطيعوا، فاني والله ما الوت من جهد الراي”، فرد الناس: “سمعنا واطعنا”. ثم احضر ابو بكر عمر وقال له: “اني قد استخلفتك على اصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم”، ثم اوصاه بتقوى الله، وخطب فيه خطبة قدم له فيها الكثير من الوصايا والنصائح.[84] توفي ابو بكر بعد ذلك بايام، وعندما دفن وقف عمر وخطب في الناس قائلا: “انما مثل العرب مثل جمل انف اتبع قائده فلينظر حيث يقوده، واما انا فورب الكعبة لاحملنكم على الطريق!”.[85] فتح الشام
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: الفتح الاسلامي لبلاد الشام
بدا الفتح الاسلامي للشام في عهد الخليفة ابي بكر الصديق، الذي قرر مقاتلة الروم بعد ان هاجموا جيش خالد بن سعيد بن العاص المعسكر في ارض تيماء، فوزع المسلمين على اربعة جيوش مختلفة، ووجه كلا منها الى جزء مختلف من بلاد الشام، قوام كل منها حوالي 8,000 مقاتل. فكان الجيش الاول بقيادة شرحبيل بن حسنة ووجهته وادي الاردن في جنوبي الشام،[86] والجيش الثاني بقيادة يزيد بن ابي سفيان ووجهته دمشق، والجيش الثالث بقيادة ابي عبيدة بن الجراح ووجهته حمص، والجيش الرابع بقيادة عمرو بن العاص ووجهته فلسطين.[87] وقال لهم ابو بكر انهم سيكونون مستقلين ان لم تكن هناك حاجة للاجتماع، فكل واحد يقود جيشه بنفسه ويكون اميرا على المناطق التي يفتحها، اما ان اقتضت الضرورة الاجتماع فان القائد سيكون ابا عبيدة بن الجراح.[88] لكن عندما بلغت الجيوش الاسلامية الشام وجدت جيوشا ضخمة جدا للروم حشدت لمقابلتها في كل وجهاتها،[89] فلما سمع المسلمون بذلك قرروا الاتحاد، فاجتمعت جيوشهم باليرموك،[90] وطلبوا المزيد من المدد، فامر ابو بكر خالدا بن الوليد بالسير اليهم بنصف جنوده من العراق.[91] فسار خالد اليهم عبر بادية الشام،[92] وفي طريقه هزم الغساسنة في معركة مرج راهط،[93] وفتح مدينة بصرى.[94] وبعد ان فتح خالد بصرى، توجه مع ابي عبيدة بن الجراح الى دمشق، فحاصرها، لكن هنا وصلته انباء حشد الروم في اجنادين، فانسحب وجمع جيوشه كلها هناك، فبلغ عدد المسلمين 33,000 مقاتل وبلغ عدد الروم 100,000، فدارت معركة اجنادين التي هزم فيها الروم وقتل قائدهم وردان.[95] توفي ابو بكر خلال هذه المرحلة، واعقبه عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد عن قيادة الجيوش الفاتحة.[96] فقد كان ابو بكر قد عين خالدا قائدا عاما لجيوش المسلمين في الشام، غير ان عمر لم يرض بذلك لئلا يفتتن به المسلمون لانتصاراته المتوالية على الاعداء،[97] فكان من اول ما فعله عمر بعد توليه امور الخلافة ان كتب الى ابي عبيدة بن الجراح يعلمه بوفاة ابي بكر (ولم يعلم خالدا بذلك)،[98] وكان يريد عزل خالد على الفور، حتى انه روي عنه انه قال في خالد: “لا يلي لي عملا ابدا”. وبعدها ارسل عمر كتابا اخر الى ابي عبيدة يعلمه فيه بعزل خالد عن قيادة الجيوش وتعيينه مكانه، لكن المؤرخين اختلفوا حول متى بالضبط وصل الى ابي عبيدة الامر بعزل خالد.[97] فيقول ابن اسحاق ان ذلك كان خلال حصار دمشق في شهر رجب من سنة 14 ه، الا ان ابا عبيدة استحى فلم يعلم خالدا حتى انتهى الحصار وتم الفتح،[99] فيما يذهب سيف بن عمر الى ان ذلك كان خلال معركة اليرموك عندما كان القتال لا يزال محتدما بين الروم والمسلمين،[100] بينما قال المدائني، ان امر العزل جاء حين كان المسلمون يقاتلون الروم بالياقوصة في شهر رجب.[97] بعد ذلك توجه ابو عبيدة مع خالد لحصار دمشق، وتمكنا من فتحها.[101] في هذه الاثناء وصلتهما انباء تجمع جيش كبير من الروم في مدينة بعلبك، وانه يسير جنوبا الى فلسطين للقاء جيشي عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة[102] المؤلفين من 5,300 جندي. فقرر ابو عبيدة وخالد السير اليهما بسرعة بجيشهما المؤلف من 27,000 مقاتل،[103] وسبق خالد ابا عبيدة على راس 1,500 فارس لضرورة السرعة.[102] اجتمعت جيوش المسلمين وجيوش الروم قرب موقع فحل جنوبي الشام، فدارت بعض المفاوضات قبل المعركة، غير انها لم تؤد الى شيء. والتقى الجيشان في 28 من ذي القعدة سنة 13 ه (23 يناير 653 م)،[104] حوالي 32,000 من المسلمين[102] ضد ما بين 50,000 و80,000 من الروم،[105] وانتصر المسلمون نصرا كبيرا، وقال ابن الاثير عن المعركة “فكانت الهزيمة بفحل والقتل بالرداغ، فاصيب الروم وهم ثمانون الفا لم يفلت منهم الا الشريد”.[101] وبعد ذلك ولى ابو عبيدة بعض قادته على دمشق وفلسطين والاردن، وسار مع خالد نحو حمص ففتحاها، ثم الى سهل البقاع،[106] وفتحا خلال ذلك مدينة بعلبك صلحا.[107] عاد الروم الى حشد جيش ضخم من 240,000 مقاتل، هذه المرة في منطقة اليرموك بالاردن، وكان ذلك في سنة 13 ه، واما المسلمون فقد كان عددهم 27,000، ومع التسعة الاف جندي الذين جاء بهم خالد ليصبحوا 36,000 جندي.[92] ودارت هناك معركة اليرموك الشهيرة، التي بدات في الخامس من رجب سنة 15 ه،[108] واستمرت مدة 6 ايام كاملة،[109] انتهت اخيرا بهزيمة الروم ومقتل قائدهم باهان.[110] وقيل ان عدد قتلى الروم في اليرموك والياقوصة بعد طلوع الشمس عقب نهاية اخر ايام المعركة كان 120,000 قتيل، واما المسلمون فحوالي 3,000 قتيل.[108] بعد المعركة انقسمت جيوش المسلمين الى اربعة الوية مجددا، فتولى كل لواء فتح منطقة من الشام.[111] فخرج يزيد بن ابي سفيان من دمشق، لفتح صيدا وعرقة وجبيل وبيروت،[111] وخرج عمرو بن العاص من فلسطين ففتح نابلس وعمواس وبيت جبرين ورفح[112] وعسقلان، وفتح شرحبيل ما تبقى من الاردن.[113] واما ابو عبيدة وخالد فقد سارا الى مدينة حمص، فحاصراها وفتحاها مجددا[114] (حيث كانا قد تركاها واعادا لاهلها الجزية خلال انسحابهما من تقدم جيوش الروم قبل اليرموك)،[115] ثم اتبعاه بفتح حماة واللاذقية.[116] وبعدها خاضوا مع الروم معركة قنسرين، وبعد ان انتصروا بها سارا الى حلب وفتحاها،[117] واخيرا فتحا انطاكية في اقصى شمال الشام.[118]

رسم افرنجي يظهر بناء مسجد عمر بالقدس بعد الفتح الاسلامي.

مسجد عمر بن الخطاب في القدس، بني حيث صلى عمر اثناء مكوثه في المدينة بعد فتحها.
بعد فتح رفح، توجه عمرو بن العاص بجيشه اخيرا الى القدس، ومكث يحاصرها طويلا، ثم كاد يياس من فتحها نظرا لحصانتها الشديدة، فاستدعى ابا عبيدة، فجاءه ومعه المدد، ثم انضم اليهما شرحبيل من الاردن، واخيرا جاء خالد من قنسرين لينضم الى الحصار[119] وطال الحصار شهورا كثيرة دون جدوى، حتى قرر واليها الاستسلام اخيرا، لكنه طلب شرطا اخيرا، وهو ان ياتي الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه الى المدينة ويفتحها، فقال لابي عبيدة: “نحن نصالحك… فارسل الى خليفتكم فيكون هو الذي يعطينا العهد، وهو يسامحنا ويكتب لنا الامان”.[120] فكتب ابو عبيدة الى عمر يخبره بذلك الشرط،[121] فاستشار عمر كبار الصحابة، غير انهم اختلفوا، وانقسموا الى فريقين اساسيين، واحد على راسه عثمان بن عفان يرى عدم الاستجابة وحصار المدينة حتى استسلامها، والثاني وعلى راسه علي بن ابي طالب يرى انه ما من ضير في القبول،[122] وقد قرر عمر الانحياز الى راي علي والقبول بالعرض. وتختلف الروايات التاريخية حول الهيئة التي جاء عمر بها الى القدس، فتقول بعضها انه جاء على راس جيش كبير، وتقول اخرى انه كان يرتدي ملابس مرقعة ويركب جملا واحدا يتناوب عليه مع غلام، فلما اقترب من المدينة كان دوره في المشي على الارض ومر على مخاضة، وعندما راه والي الروم دهش من منظره، كما تذكر روايات اخرى انه جاء بمظهر عادي ليس متفاخرا ولا متواضعا اكثر من اللازم.[119] وعقب وصول عمر الى المدينة تسلم مفاتيحها، ودخلها فاتحا، فعقد مع اهلها الصلح واعطاهم الامان، وكان ذلك في سنة 15 ه.[123] وقد دخل عمر القدس في المساء، فلما دخل المسجد الاقصى قال “لبيك اللهم لبيك، بما هو احب اليك”، ثم ذهب الى محراب داود وصلى فيه، ولم يلبث ان طلع الفجر، فامر المؤذن باقامة الصلاة ثم تقدم وام بالفاتحين.[124] فتح كامل العراق وفارس
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: فتح العراق وفارس

معارك خالد بن الوليد في فتح العراق.

مسجد عمر بن الخطاب بدومة الجندل.
مهدت لفتح العراق وفارس غارات صغيرة كان يشنها المثنى بن حارثة الشيباني عقب انتهاء حروب الردة على اطراف الامبراطورية الساسانية.[125] قرر ابو بكر تسيير جيوش المسلمين الى العراق لفتحها، ووضع خطة مفادها ان ينطلق جيشان اسلاميان من جنوب وشمال العراق، فيطبقان عليها ويلتقيان بالحيرة التي كانت انذاك تعد عاصمة البلاد.[126] فكتب ابو بكر الى خالد بن الوليد في شهر محرم سنة 12 ه وهو باليمامة بعد ان فرغ من قتال مسيلمة الكذاب اثناء حروب الردة، وامره بالسير الى العراق،[127] والا يكره احدا ممن قاتلوا معه في اليمامة على المجيء.[128] وبعد ان وصلت الى خالد تعزيزات كثيرة كان قد طلبها من ابي بكر، وصل الى العراق ومعه 18,000 جندي.[127] من جهة اخرى، امر ابو بكر عياض بن غنم بالسير الى دومة الجندل،[128] فياتي هو من الشمال وخالد من الجنوب، ويطبقان معا على الحيرة.[129] وبدا خالد بدخول العراق، فخاض معارك كثيرة متتالية ضد الفرس كان النصر حليفه فيها جميعا، في ذات السلاسل والمذار والولجة واليس والمقر،[130] واخيرا، حاصر الحيرة وفتحها في شهر ربيع الاول من سنة 12 ه نفسها.[131] وفتحت الانبار تباعا،[132] ثم التقى خالد الفرس في معركة عين التمر التي ربحها خلال دقائق.[133] واما عياض بن غنم فقد قضى في حصار دومة الجندل نصف سنة تقريبا دون ان يتمكن منها، فجاءه خالد بعد فراغه من عين التمر، ودارت معركة دومة الجندل بينه وبين حامية المدينة، التي انتهت بفتحها في 24 من رجب سنة 12 ه.[134] كانت معركة الفراض اخر معركة لخالد بن الوليد في العراق،[135][136] وبعدها سار الى الشام عقب تلقيه امر ابي بكر بالتوجه الى هناك لمساعدة المسلمين في معركة اليرموك.[137] ذهب خالد بنصف الجيش، وبقي النص الثاني في يد المثنى بن حارثة، الذي حل مكانه في القيادة. وقد تزامن ذلك مع فتنة في البلاط الفارسي خلفها مقتل شيرويه ملك الفرس بالمدائن،[130] وبدا الملوك يتاولون على الدولة الفارسية فيخلعون الواحد تلو الاخر.[138] وفي هذا الوقت، ارسل احد ملوك الفرس جيشا لقتال المسلمين، فالتقى المثنى بن حارثة مع الجيش الفارسي في موقعة بابل في ربيع الاول سنة 13 ه، وانتصر على الفرس.[130] لكن تغير ميزان القوى عندما قام وال فارسي يسمى رستم بانقلاب على احد الاكاسرة، منهيا فترة الاضطراب ومستبدا بالحكم.[130] فخرج المثنى في اواسط سنة 13 ه الى المدينة، ليقابل ابا بكر ويحكي له عن احوال ساحة القتال، ويطلب منه المدد والعون لاستكمال الفتح.[139] غير ان المثنى وصل المدينة وابو بكر على فراش الموت، فلما حكى له ما اراده قال ابو بكر: “علي بعمر”، فجاء عمر، فاوصاه ابو بكر بان يندب الناس (يدعوهم الى الخروج للقتال) مع المثنى كل يوم.[140] وتوفي ابو بكر بعد تلك الحادثة بايام.[141] ما ان انتهى دفن ابو بكر حتى وقف عمر ومعه المثنى يخطب في الناس ويدعوهم الى الانضمام لجيوش المسلمين لقتال الفرس، فخطب فيهم في اخر ليلة وفاته قائلا: “الصلاة جامعة”، فتجمع من حوله الناس، لكن ما ان دعاهم الى التطوع للقتال حتى تفرقوا مجددا دون ان يجيبوا دعوته.[142] ثم حاول مجددا بعد صلاة الفجر، واستمر على تلك الحال ثلاثة ايام متتالية دون جدوى، حيث كان العرب يهابون الفرس بشدة ويخشونهم كثيرا.[137] ولما كان اليوم الرابع وقف المثنى في المسجد النبوي، فخطب فيهم، وحدثهم عن ما حققه المسلمون من انتصارات على الفرس في العراق،[142] ثم قام عمر وخطب بدوره، وهنا صاح رجل: “انا لها!”، وكان ابو عبيد الثقفي، ثم بدا الناس يتطوعون الواحد تلو الاخر، حتى اجتمع لدى عمر والمثنى 1,000 رجل.[143] وتولى ابو عبيد قيادة الجيش،[137] فيما سبقه المثنى وعاد مسرعا الى جيوشه في الحيرة.[144] اتجه ابو عبيد الى العراق، وانتصر على الفرس في معركة النمارق والسقاطية وباقسثيا، التي دارت كلها خلال تسعة ايام فقط.[145] لكنه هزم في موقعة الجسر وقتل فيها، ولم ينقذ جيش المسلمين الا وقفة المثنى على الجسر وهو يقاتل الفرس، حتى عبر كل المسلمين الى الجانب الاخر.[146] ابيد نصف الجيش في المعركة، ولم يبقى منه سوى 2,000 مقاتل.[145] ارسل الى عمر رسول يروي له احداث الجبهة، وهو يخطب بالناس، فبكى وتاثر، وخطب فيهم يحمسهم. ثم اعلن النفير العام في الجزيرة العربية، واخذ يتنقل بين القبائل يحثها على التطوع للقتال، واجتمع له اخيرا 4,000 متطوع،[145] فارسلهم الى العراق، وهناك خاض المثنى معركة البويب ضد جيش فارسي جرار قوامه 70,000 جندي، وانتصر بها. ارسل المثنى بعد ذلك يطلب المزيد من المدد لان الفرس بداوا يحشدون للقتال، لكنه توفي بعد ذلك بفترة قصيرة، وكانت وصيته للقائد الذي يخلفه: “لا تقاتل الفرس الا على ابواب الصحراء”.[147] واعلن النفير العام مجددا، فارسل عمر من يدعو الى القتال الى كل انحاء الجزيرة العربية، واجتمع له مجددا 4,000 مقاتل، جمعهم في مكان قرب المدينة يسمى صرار.[147] وبعد ان اجتمع الرجال عند عمر، اخذ يفكر في من سيوليه قيادة الحملة الى العراق، فاحتار كثيرا، حتى وصله كتاب من سعد بن ابي وقاص، حيث كان قد عين لجمع الصدقات بنجد، فقال له عبد الرحمن بن عوف “وجدته!”، قال عمر: “فمن؟”، قال: “الاسد عاديا!”،[148] فكانت رسالة سعد تذكرة لعمر، بقائده سعد.[149] مشى عمر مع الحملة وودع الجنود وخطب فيهم، ثم اوصى سعد بالتوقف في زرود ودعوة الناس للخروج معه.[150] وبينما وصل سعد زرود في شتاء سنة 14 ه،[151] اخذ عمر يوجه كل طاقته للحشد للحرب، فاخذ يدور على قبائل العرب ويدعوها للقتال ويجمع الناس ويرسل الامدادات تباعا الى سعد، واخذ يستخدم كل الوجهاء والخطباء والشعراء لتحريض الناس على الفرس، وكان يقول خلال ذلك: “والله لاضربن ملوك العجم بملوك العرب”.[152] وبعد ان التقت وتجمعت كل الجيوش والامدادات، بلغ قوام الجيش الاسلامي المتجه الى فارس 32,000 مقاتل، وهو اكبر جيش اسلامي يدخل بلاد فارس حتى ذلك الحين.[147] بلغ تعداد قوات الفرس في المقابل 120,000 رجل و70 فيلا، وكان التقاء الجيشين في ارض القادسية.[153] سبقت المعركة بعض المقابلات والمفاوضات بين رسل من المسلمين ورستم، غير انها لم تؤد الى شيء،[154] ثم اندلعت المعركة الفاصلة في فتوحات فارس، المسماة بمعركة القادسية. استمر القتال اربعة ايام على اشده، فلما جاء اليوم الرابع قتل رستم وهزم الفرس وكانت تلك نهاية المعركة.[154] وبلغ عدد قتلى الفرس بنهاية المعركة 40,000 قتيل، واما المسلمون فحوالي 6,000 قتيل.[155] بعد القادسية، كانت جيوش المسلمين تقف على مسافة 30 كيلومترا فحسب من المدائن عاصمة الفرس، وبابادتهم الجيش الفارسي في المعركة لم تبقى اي جيوش تحول بينهم وبين العاصمة.[156] ومكثوا فترة في القادسية، حتى جاءهم الامر من عمر بالتوجه الى المدائن.[157] حاصر سعد المدائن مدة شهرين، حتى استسلمت فدخلها المسلمون، وهرب كسرى الفرس، ووجد المسلمون داخلها ثروات هائلة.[158] غير ان بقايا جيوش الفرس عادت للتجمع في موقعين اساسيين، هما جلولاء وتكريت،[159] فانقسم المسلمون ثلاثة جيوش حسب اوامر عمر، الاول بقيادة هاشم بن عتبة الذي مني بالنصر في معركة جلولاء وفتح حلوان،[160] والثاني بقيادة عبد الله بن المعتم الذي نجح في فتح تكريت والموصل، والثالث بقيادة عتبة بن غزوان[161] الذي نجح في فتح الابلة وسائر الاحواز.[162] بعد فتح جلولاء فر يزدجرد الى مرو، وجعلها عاصمة الفرس الجديدة، وبدا بحشد الجيوش من كل اصقاع فارس لوقف تقدم المسلمين.[163][164] وسار اليهم جيش المسلمين بقيادة النعمان بن مقرن، والتقيا قرب مدينة نهاوند في سنة 21 ه،[165] حوالي 30,000 رجل من المسلمين و150,000 من الفرس.[166] وبعد يوم من القتال الحامي هزم الفرس وانتصر المسلمون نصرا كبيرا، فاطلقوا على معركة نهاوند فتح الفتوح، حيث لم يجتمع الفرس بعدها ابدا.[167] ووصلت عمر اخبار الفتح فسر سرورا عظيما، غير انه بكى عندما سمع بمقتل النعمان وصحابة اخرين خلال المعركة.[166] بعد نهاوند توالت فتوحات بلاد فارس، ففتحت همذان فاصبهان فالري فجرجان فطبرستان فاذربيجان فخراسان فكرمان فمكران فسجستان. وبذلك كانت نهاية الدولة الساسانية وزوالها، وفتح المسلمين لجميع مناطقها السابقة.[168][169] عام الرمادة وطاعون عمواس
Crystal Clear app kdict.png مقالات مفصلة: عام الرمادة طاعون عمواس
كانت سنة 639م الموافقة لعام 18 ه، سيئة على الدولة الاسلامية التي تعرضت لنكبتين: المجاعة في المدينة المنورة والطاعون في بلاد الشام. وقيل حدث ذلك اخر سنة 17 ه الموافقة لذات العام الميلادي سالف الذكر. عم الجدب ارض الحجاز واسودت الارض من قلة المطر فمال لونها الى الرمادي مدة تسعة اشهر فسميت “عام الرمادة”. والتجا المسلمون الى المدينة المنورة، فاخذ عمر بن الخطاب يخفف عنهم، وكتب الى ابي موسى الاشعري بالبصرة فبعث اليه قافلة عظيمة تحمل البر وسائر الاطعمات، ثم قدم ابو عبيدة بن الجراح من الشام ومعه اربعة الاف راحلة تحمل طعاما فوزعها على الاحياء حول المدينة المنورة. فخفف ذلك من الضائقة بعد ان هلك كثير من المسلمين.[170] اما الطاعون فبدا في عمواس، وهي قرب بيت المقدس، فسمي “طاعون عمواس”،[171][172] ثم انتشر في بلاد الشام. وكان عمر بن الخطاب يهم بدخول الشام وقتها، فنصحه عبد الرحمن بن عوف بالحديث النبوي: «اذا سمعتم بهذا الوباء ببلد، فلا تقدموا عليه، واذا وقع وانتم فيه فلا تخرجوا فرارا منه»، فعاد عمر وصحبه الى المدينة المنورة. حاول عمر بن الخطاب اخراج ابا عبيدة بن الجراح من الشام حتى لا يصاب بالطاعون فطلبه اليه، لكن ابا عبيدة ادرك مراده واعتذر عن الحضور حتى يبقى مع جنده، فبكى عمر. ويبدو ان الطاعون انتشر بصورة مريعة، عقب المعارك التي حدثت في بلاد الشام، فرغم ان المسلمين كانوا يدفنون قتلاهم، فان عشرات الاف القتلى من البيزنطيين بقيت جثثهم في ميادين القتال من غير ان تدفن، حيث لم تجد جيوشهم المنهزمة دائما الوقت الكافي لدفن القتلى. استمر هذا الطاعون شهرا، مما ادى الى وفاة خمسة وعشرين الفا من المسلمين وقيل ثلاثين الفا، بينهم جماعة من كبار الصحابة ابرزهم: ابو عبيدة بن الجراح وقد دفن في “عمتا” وهي قرية بغور بيسان، ومعاذ بن جبل ومعه ابنه عبد الرحمن، ويزيد بن ابي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وابو جندل بن سهيل.[173][174] وقيل ان الطاعون اصاب البصرة ايضا فمات بشر كثير.
وبعد انحسار طاعون عمواس، خرج عمر بن الخطاب من المدينة المنورة متجها نحو بلاد الشام عن طريق ايلة. فلما وصلها قسم الارزاق وسمى الشواتي والصوائف وسد فروج الشام وثغورها، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل ومعاوية بن ابي سفيان على جند دمشق وخراجها. ثم قسم مواريث الذين ماتوا، بعد ان حار امراء الجند فيما لديهم من المواريث بسبب كثرة الموتى. وطابت قلوب المسلمين بقدومه بعد ان كان العدو قد طمع فيهم اثناء الطاعون.[175] فتح مصر
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: الفتح الاسلامي لمصر
كثرت الاقوال حول السنة التي فتحت فيها مصر، فوردت في كتب التاريخ سنوات 16 و 20 و 21 و 22 و 25 ه، وقد كان ذلك عندما سمح عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص بالتوجه الى مصر بعد انتهائه من فتح الشام، وذلك بعد الحاح طويل من عمرو.[176][177][178][179][180] ودخل عمرو مصر على راس 4,000 رجل، فكان اول ما فتحه هو حصن الفرما بعد حصار دام شهرا، ونفس الامر في بلبيس، ثم سار الى ام دنين بعد ان امده عمر باربعة الاف اخرين، وانتصر قربها في معركة عين شمس.[181] ثم سار الى حصن بابليون، اقوى الحصون الحدودية في مصر انذاك،[181] وفرض عليه حصارا دام نصف سنة كاملة.[182] واخيرا وبعد ان تسلق الاسوار الزبير بن العوام، وفتح الحصن من الداخل تمكن المسلمون من دخوله، وفتح حصن بابليون.[183] وبعد فتح الحصن بنى المسلمون مدينة الفسطاط قربه.[184] ثم سار عمرو الى الاسكندرية، وفرض عليها حصارا دام ثلاثة شهور حتى فتحت عنوة، وبفتح الاسكندرية كان قد تم فتح مصر، ووليها عمرو ثم عبد الله بن سعد بن ابي السرح من بعده.[185] فتح برقة وطرابلس الغرب
بعد ان اتم عمرو بن العاص فتح الاسكندرية سار الى اقليم برقة، الواقع اليوم شرق ليبيا. وارسل بداية عقبة بن نافع ليستطلع الاوضاع ويعطيه تقريرا عن المنطقة، ثم فتح برقة بسهولة وسرعة،[186] وصالح اهلها على جزية يدفعونها له مقدارها 13,000 دينار، وكان ذلك في سنة 22 ه.[187] ثم فرق عمرو قواته وارسلهم الى مختلفة اجزاء برقة ومحيطها، فارسل عبد الله بن الزبير الى مصراتة وعقبة بن نافع الى زويلة (ثم عينه قائدا لحامية برقة) وبسر بن ارطاة الى ودان، فنجحوا في فتح كل هذه المدن.[188] واخيرا سار عمرو الى طرابلس الغرب وحاصرها لمدة شهر، غير انه لم يتمكن من فتحها، حتى تمكن بعض جنوده من اقتحام المدينة، ففر الروم الى سفنهم للهرب، ودخل جيشه المدينة وفتحها.[189] وفتحت معها المناطق المحيطة بها مثل غريان والزاوية وسائر جبل نفوسة.[186] وبعد طرابلس سار عمرو الى سبرة، ففتحها هي الاخرى، وتم بذلك فتح ليبيا.[189] غير ان عمر لم ياذن له بالسير اكثر حتى افريقية، فعاد عمرو الى مصر.[188] ادارة الدولة
يعتبر عمر بن الخطاب احد عباقرة السياسة والادارة في التاريخ الاسلامي خصوصا والعالمي عموما.[4] فقد اتسعت حدود الدولة الاسلامية خلال عهده اتساعا عظيما جعله يقدم على انشاء تنظيم اداري فعال لابقائها متماسكة وموحدة، وقد استتبع هذا الامر تنظيم وانشاء عدة مرافق مهمة لم تعرفها العرب من قبل، او عرفتها ولكن على نحو ضيق بسبب طبيعة حياة الناس داخل شبه الجزيرة قبل الفتوح الاسلامية. ومن ماثر عمر بن الخطاب الاخرى توسيعه وترميمه للمسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، لاستيعاب الاعداد المتزايدة من الحجاج بعد ان اعتنق الكثير من رعايا الشام والعراق ومصر وغيرها الاسلام.[190] التنظيمات السياسية والادارية
اتسعت اقاليم الدولة الاسلامية الاولى، نتيجة انتشار المسلمين في الاقاليم المتاخمة لشبه الجزيرة العربية، لذلك عمد عمر بن الخطاب الى تقسيم الامصار المفتوحة الى خمس مناطق كبيرة تنقسم بدورها الى ولايات، وهي: العراق (الاحواز، الكوفة، البصرة)، فارس (سجستان ومكران وكرمان، طبرستان، خراسان)، الشام (قسم قاعدته حمص، وقسم قاعدته دمشق)، فلسطين (قسم قاعدته ايلة وقسم قادته الرملة)، افريقية (صعيد مصر، مصر السفلى، غرب مصر، وصحراء ليبيا). اما في شبه الجزيرة العربية فابقى على تقسيمها كما فعل ابو بكر الصديق، واستمرت تضم اثنتي عشر ولاية، هي: مكة المكرمة، المدينة المنورة، الطائف، صنعاء، حضرموت، خولان، زبيد، مرقع، الجند، نجران، جرش، والبحرين.[191] كما قسم الخليفة ولايات الشام الى مقاطعات عدة دعي كل منها جندا، وهي: جند قنسرين، جند دمشق، جند حمص، جند الاردن، وجند فلسطين.[192] وكان عمر يختار لكل اقليم واليا، وكان يختارهم ممن يتوسم فيهم الصلاح والمقدرة على ادارة شؤون الولاية، والقيام بالمهام الملقاة على عواتقهم. وكان عمر يوصي اولئك الولاة بحسن معاملة الرعية، والرفق بهم، وعدم تكليفهم فوق طاقتهم، ويحملهم مسؤولية تطبيق شرائع الاسلام وسننه؛ فقال موضحا واجباتهم: «ايها الناس، اني والله ما ارسل اليكم عمالا ليضربوا ابشاركم، ولا لياخذوا اعشاركم؛ ولكن ارسلهم ليعلموكم دينكم وسننكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك، فليرفعه الي، فوالذي نفس عمر بيده، لاقتصن له منه».[193] كذلك كان لعمر مفوضون رسميون يسافرون الى الامصار، ويراجعون اعمال الولاة، وكان على راس اولئك المفتشين محمد بن مسلمة، وهو رجل حازم فائق الامانة. وحرصا منه على استقرار الولاة، وعدم انشغالهم بامر غير الولاية؛ فقد اجرى عليهم مرتبات من شانها ان تعينهم على التفرغ لعملهم المنوط بهم، ومثال ذلك: انه اجرى على عمار – والي الكوفة – ستمائة درهم، له ولكاتبه ومؤذنيه كل شهر، واجرى على عثمان بن حنيف ربع شاة وخمسة دراهم كل يوم، مع عطائه – وكان خمسة الاف درهم – واجرى على عبد الله بن مسعود مائة درهم في كل شهر وربع شاة كل يوم.[193] يشير بعض المؤرخين الى ان عمر بن الخطاب اتبع نظام المركزية الادارية في حكمه للدولة الاسلامية، اي ان حكومته المركزية القائمة في المدينة المنورة كانت تقوم وحدها بالوظيفة الادارية، دون مشاطرة الهيئات الاخرى لها في ذلك.[193] فقيل ان ظروف الدولة الاسلامية في عهد عمر فرضت اسلوب المركزية في الحكم؛ بل ان عمر قد سلك اسلوبا مركزيا متطرفا، يكاد لا يوجد له مثيل في التاريخ. وان هيمنته في العاصمة لم تتوقف على الامور العسكرية فحسب؛ بل امتدت الى الشؤون المدنية، ومن ذلك استئذان المسلمين الخليفة في طريقة بناء المساكن في المدن الجديدة، وحرص الخليفة على ان يحاط علما باقاليم الدولة التي لم يذهب اليها.[193] وقد رد باحثون اخرون على هذا الراي بقولهم ان كتب السيرة والتاريخ كما حفظت كتبا يوجه بها عمر عماله وقواده، ويتابع اعمالهم – فقد حفظت كذلك اثارا يفوض فيها عمر الراي لعماله وقواده؛ لكي يتصرفوا في مواجهة المواقف، بما تقتضيه هذه المواقف.[193] ومن ذلك قوله لمحمد بن مسلمة: «ان اكمل الرجال رايا من اذا لم يكن عنده عهد من صاحبه، عمل بالحزم، او قال به»، وقوله لمعاوية بن ابي سفيان حين بين له اسباب اتخاذه مظاهر الملك: «لا امرك ولا انهاك»، ورده على ابي عبيدة حين استشاره في دخول الدروب خلف العدو بقوله: «انت الشاهد وانا الغائب، وانت بحضرة عدوك، وعيونك ياتونك بالاخبار»، الى غير ذلك من النصوص التي تدل على ان عمر بن الخطاب كان ينتهج المنهج اللامركزي في الادارة، وليس معنى ذلك انه قد رفع يده كلية عن الولايات الاخرى؛ بل ان من حقه وواجبه الاشراف على هذه الولايات ومراقبتها في الحدود الشرعية.[193]

نقود فارسية من الطراز الذي كان شائعا في خلافة عمر بن الخطاب. نقشت على هذه النقود صورة اخر اكاسرة الامبراطورية الفارسية الساسانية، واضاف عمر نقش البسملة عليها.
نشات الدواوين في عهد عمر بن الخطاب نتيجة لاتساع الدولة الاسلامية، واتصال المسلمين الفاتحين عن قرب بالانظمة الفارسية والبيزنطية في الاقاليم والتعرف على حضارتها، فانتقوا من بين ذلك ما وجدوه ملائما للاقتباس، كما ابقوا على الكثير من الانظمة الادارية التي ثبت لهم صلاحيتها لتلك البلاد. وقد اختلف في تحديد نشاة الديوان؛ فيحدده الطبري بالعام الخامس عشر للهجرة، بينما يذكره الماوردي في الاحكام السلطانية في العام العشرين.[194] ومن الدواوين التي اوجدها عمر: ديوان الانشاء، وهو ديوان الرسائل، ليكون بذلك اول من وضع هذا الديوان في الاسلام،[195] ثم انشا ديوان العطاء وديوان الجند الذي سجل فيه اسماء المقاتلين، ووجهتهم، ومقدار اعطياتهم وارزاقهم، وديوان الجباية الهادف الى احصاء خراج البلاد المفتوحة، وتنظيم الانفاق في الوجوه التي يجب الانفاق فيها،[193][194] وذلك بعد ان وردت الاموال الكثيرة الى المدينة المنورة مركز الدولة الاسلامية بعد فتح الشام والعراق، فاشار خالد بن الوليد وقيل الهرمزان وقيل الوليد بن هشام بن المغيرة بانشاء مثل هذه الدواوين لاحصاء الاموال وطريقة توزيعها. وكان ذلك تمهيدا لانشاء “بيت المال” او “ديوان الاموال” الذي يمكن اعتباره بمثابة اول وزارة للمال في الاسلام. وقد اهتم عمر بالاموال الواردة للدولة، وكان حريصا جدا على المحافظة عليها، واعطائها لمستحقيها، وقد كان يتعامل معها كما يتعامل والي اليتيم مع ماله، فلا ياخذ منه الا كما ياخذ ادنى رجل من المسلمين. وابقى عمر على النقود الذهبية والفضية التي كانت متداولة وعليها نقوش مسيحية او فارسية، لكنه اضاف الى هذه النقود البيزنطية والفارسية كلمة “جائز” ليميزها عن النقود الزائفة. ومع ذلك يعتبر عمر اول من ضرب النقود في الاسلام سنة 639م، الموافقة لسنة 18 ه، معتمدا النقش الفارسي واضاف اليها “الحمد لله” وفي بعضها “لا اله الا الله” وعلى جزء منها اسم “عمر”.[196] كان البريد موجودا منذ تاسيس الدولة في المدينة المنورة، حيث كان النبي محمد يبعث الرسل الى الملوك والامراء ومعهم الكتب ممهورة بخاتمه. وقد رتب عمر البريد بعد ان اتسعت هذه الدولة ليسهل عملية الاتصال بين المدينة المنورة والعمال وقادة الجيش في العراق وفارس والشام ومصر، فكتب الى معاوية بن ابي سفيان في الشام يحثه على استعمال النار في الاشارات لنقل الرسائل والاخبار واقامة الحرس على مناظرها واتخاذ المواقد لها. وقسم الطرق الى محطات بريدية بين الواحدة والاخرى مسافة اثني عشر ميلا، وفي كل منها الحرس والزاد والماء.[197] اما الخطوة الاخيرة في تنظيمات عمر بن الخطاب الادارية، فكانت تكريس نظام الشورى، عملا بالامر الديني في القران: ﴿وامرهم شورى بينهم﴾، و﴿وشاورهم في الامر﴾، والتي كانت دعوة صريحة لالتزام المشورة. وفي الحديث النبوي: «استشر، فان المستشير معان، والمستشار مؤتمن»،[198] و«ما سعد احد برايه ولا شقي مع مشورة»،[199] و«مشاورة اهل الراي ثم اتباعهم».[200] لذلك تمسك عمر بن الخطاب بمبدا الشورى، وفي ذلك يقول: “لا خير في امر ابرم من غير شورى”،[201] واتبع القران والسنة النبوية في ذلك، فابقى الى جانبه كبار الصحابة من المهاجرين والانصار يستشيرهم في كل مسالة لا يوجد فيها نص او حديث. وعلى هذا الاساس منع هؤلاء الصحابة من مغادرة المدينة المنورة الا باذن وباجل محدد، وذلك ليتمكن من استشارتهم ولمساندته في دعم نظام الحكم القائم اساسا على الشورى. وكان عمر يستشير الرجال، وكان ايضا يستشير النساء، حيث كان يقدم الشفاء بنت عبد الله العدوية في الراي، ويرضى عن رايها.[194] تنظيم الجيش
Crystal Clear app kdict.png طالع ايضا: جيش الخلفاء الراشدين
ادرك عمر بن الخطاب اهمية الجيش في نشر الاسلام، لذلك اوجد فرقا نظامية تقدر كل منها باربعة الاف فارس لترابط في كل مصر من الامصار.[202] وهذا يعني تاسيس جيش نظامي ثابت يقدر باثني وثلاثين الف فارس عدا المشاة والمتطوعين، مما يكفل حماية الدولة، ونظم الرتب في الجيش مثل “امير الجيش” على عشرة الاف او تزيد، و”امير الكردوس” على الف، و”القائد” على مئة.[203] كان العرب يشكلون قوام الجيش في بداية عهد عمر بن الخطاب، ومع اتساع رقعة الدولة الاسلامية، انضم اليهم عدد من الفرس والروم والقبط الذين اعتنقوا الاسلام، وعرف الجيش الاسلامي خلال هذا العهد استخدام اسلحة الحصار التي اقتبست عن الروم، ومنها المنجنيق وابراج الحصار والدبابة واكباش الدك.[204] واصدر عمر ايضا امرا بوجوب تعلم الجنود ركوب الخيل والرماية والمشي حفاة والسباحة، وانشا مراكزا عسكرية في المدينة والكوفة والبصرة والموصل والفسطاط ودمشق والاردن وفلسطين، بنيت فيها ثكنات مخصصة لاقامة العساكر، كما شيدت اصطبلات كبيرة ياوي كل منها قرابة اربعة الاف حصان مخصصة لدعم الجند عند الحاجة. بالاضافة الى المراكز العسكرية، انشا الخليفة معسكرات في المدن الكبيرة والاماكن ذات الاهمية الاستراتيجية. وكان عمر يكره ركوب البحر ونهى قادة الجيش عن القتال فيه،[205] وقد قام بعزل العلاء بن الحضرمي والي البحرين لانه ركب البحر في اثني عشر الفا غازيا بلاد فارس.[206] كما انشا عمر ديوان الجند وكفل للجنود معيشتهم ومعيشة عائلاتهم، مقابل انصرافهم الى اعمال الجندية[207] الشرطة والامن
يعتبر عمر بن الخطاب اول من انشا حبسا خاصا بالمتهمين بعد ان كان هؤلاء يعزلون في المسجد،[208] وعرف هذا الحبس باسم “السجن”. كما كان اول من ادخل نظام العسس للتجول والمراقبة ليلا من اجل مساعدة القاضي في اثبات التهم وتنفيذ الاحكام ضد المذنبين، ويعتبر هذا النظام بمثابة النواة التي قامت عليها فيما بعد “الشرطة”، ويتولاها صاحب الشرطة. واول من اسندت اليه هذه المهمة هو عبد الله بن مسعود، فهو اول عساس في الاسلام، و”العسس” اسم مشتق كما تورده بعض المصادر من “عس يعس عسسا وعسا اي طاف بالليل”.[209] القضاء
ولم يهمل عمر بن الخطاب القضاء، فكان يتولى الفصل بين الناس، وتطبيق الحدود والاحكام، ولما توسعت الدولة واختلط العرب بسكان البلاد المفتوحة، وازدادت القضايا في هذه الامصار – تعذر على الخليفة النظر فيها، وكذلك الولاة، فعمل عمر بن الخطاب على فصل القضاء عن الولاية، وشرع في تعيين القضاة في البلاد المفتوحة، فولى ابا الدرداء قضاء المدينة، وشريحا الكندي قضاء الكوفة، وعثمان بن ابي العاص قضاء مصر، وابا موسى الاشعري قضاء البصرة،[193] وقد اجرى عمر عليهم الرواتب، فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة خمسمائة درهم في كل شهر، وجعل لشريح مائة درهم ومؤنته من الحنطة. وكان عمر يحث القضاة على احقاق الحق، واقامة العدل بين الناس؛ مما دفع القضاة الى العمل على تنفيذ احكام الشريعة الاسلامية بحذافيرها.[193] كما سن عمر لهؤلاء القضاة دستورا يسيرون على هديه في الاحكام، وقد لبث هذا الدستور مرجعا للقضاء[210][211] الحسبة
يرى بعض المؤرخين ان الحسبة نشات في عهد عمر بن الخطاب، حيث وضع اسسها واختصاصاتها، وكان يقوم بها بنفسه، ثم اوكلها الى رجل، اطلق عليه لقب “المحتسب”. بينما يرى اخرون انها نشات في عهد الرسول محمد. والحسبة هي وظيفة دينية من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بامور المسلمين، يعين لذلك من يراه اهلا له. وكانت مهمة المحتسب تتمثل في: مراعاة احكام الشرع، واقامة الشعائر الدينية، والمحافظة عليها، والنظر في ارباب البهائم، ومراقبة من يتصدر لتفسير القران الكريم، والنظر في الاداب العامة، وفي البيوع الفاسدة في السوق، والموازين والمكاييل.[193] وبهذا فقد تعدت الحسبة معناها وهدفها الديني الى واجبات عملية مادية تتفق مع المصالح العامة للمسلمين.[212] التقويم الهجري
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: التقويم الهجري
كان النبي محمد قد امر بالتاريخ بعد قدومه الى يثرب. وقد حدث هذا التاريخ منذ العام الاول للهجرة، وعلى هذا الاساس كان النبي يرسل الكتب الممهورة بخاتمه الى الملوك والامراء ورؤساء القبائل المختلفة.[213] وما فعله عمر بن الخطاب كان منع الخلاف حول التاريخ، ومما ذكر في سبب اعتماد عمر للتاريخ ان ابا موسى كتب الى عمر انه ياتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: “ارخ بالمبعث”، وبعضهم: “ارخ بالهجرة”، فقال عمر: “الهجرة فرقت بين الحق والباطل”، فارخوا بها”، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم ابدءوا برمضان، فقال عمر: “بل بالمحرم فانه منصرف الناس من حجهم”، فاتفقوا عليه.[214] وفي رواية اخرى ان احدهم رفع صكا لعمر محله شهر شعبان، فقال: «اي شعبان، الماضي او الذي نحن فيه، او الاتي؟ ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم»، فيقال انه اراد بعضهم ان يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك ارخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك، ومنهم من قال: “ارخوا بتاريخ الروم من زمان الاسكندر”، فكرهوا ذلك، وقال قائلون: “ارخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وقال اخرون: “من مبعثه عليه السلام”، واشار علي بن ابي طالب واخرون ان يؤرخ من هجرته من مكة الى المدينة لظهوره لكل احد فانه اظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فامر عمر ان يؤرخ من هجرة الرسول وارخوا من اول تلك السنة من محرمها.[214] اغتياله

رسم تخيلي لابي لؤلؤة فيروز النهاوندي، قاتل عمر بن الخطاب.
كان عدد من الفرس الذين بقوا على المجوسية يضمرون الحقد والكراهية لقائد الدولة الاسلامية التي دحرت جيوشهم وقضت على امبراطوريتهم واسعة الاطراف،[215] ففي شهر اكتوبر من سنة 644 اتجه عمر لاداء الحج في مكة حيث يعتقد ان مخططي الاغتيال اتبعوه حتى جبل عرفة، حيث سمع صوت يهتف ان عمر لن يقف مرة اخرى على الجبل، وفي رواية اخرى شوهد رجل وهو يهتف ان هذا حج الخليفة الاخير، وفي اخرى ان احدى الجمرات اصابت راس ابن الخطاب خلال الرجم وسمع صوت احدهم يقول انه لن يحج مجددا. وفي جميع الاحوال، يتفق المؤرخون انه بعد عودة عمر بن الخطاب الى المدينة المنورة طعنه ابو لؤلؤة فيروز الفارسي بخنجر ذات نصلين ست طعنات، وهو يصلي الفجر بالناس، وكان ذلك يوم الاربعاء 26 ذي الحجة سنة 23 ه، الموافقة لسنة 644 م، ثم حمل الى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس. وحاول المسلمون القبض على القاتل فطعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم ستة، فلما راى عبد الرحمن بن عوف ذلك القى رداء كان معه على ابي لؤلؤة فتعثر مكانه وشعر انه ماخوذ لا محالة فطعن نفسه منتحرا. وبذلك دفن ابو لؤلؤة فيروز الفارسي، اخبار المؤامرة والدوافع اليها، فاختلفت الروايات حسب ما يستنتجه المؤرخون.[216][217] من ابرز الروايات والاستنتاجات التي قيلت حول حادثة اغتيال عمر بن الخطاب، ان الاخير كان قد حرم على المشركين الذين بلغوا الحلم ان يدخلوا المدينة المنورة لما انطوت عليه قلوبهم من ضغائن واحقاد ضد الاسلام، ولكن المغيرة بن شعبة عامله على الكوفة كتب اليه يطلب منه الاذن بدخول غلام له اسمه فيروز، ويكنى بابا لؤلؤة، لينتفع به المسلمون لانه كان يتقن عدة صناعات فهو حداد ونجار ونقاش فوافق عمر، وذات يوم اشتكى ابو لؤلؤة لعمر ان المغيرة يفرض عليه خراجا كبيرا، فلما سمع منه عمر قال له ان خراجك ليس بالكبير على ما تقوم به من اعمال، فاغتاظ ابو لؤلؤة المجوسي من ذلك، واضمر الشر والحقد عدة ايام ثم ترجمه بطعن الخليفة.[218] ويستند القائلون بهذه الرواية الى القصة التي تقول ان عبد الرحمن بن ابي بكر، وهو رجل صالح ثقة، شهد انه راى الهرمزان وفيروز وجفينة النصراني ليلة الحادث يتشاورون فلما فوجئوا به اضطربوا وسقط منهم خنجرا ذو نصلان وشهد عبد الرحمن بن ابي بكر انه نفس الخنجر الذي طعن به عمر.[218] اما الهرمزان فكان من ملوك المجوس الفرس على منطقة الاحواز، وقد اسره المسلمون وعفا عمر عنه بعد نكثه العهد مرارا، وكان الحقد يملا قلبه لانه فقد ملكه، وعندما شعر بالخطر اظهر الاسلام، ولكن الناس كانوا يشكون في اسلامه. واما جفينة النصراني فهو من مسيحيي الحيرة ارسله سعد بن ابي وقاص الى المدينة ليعلم ابناءها القراءة والكتابة.[218] وقال بعض المؤرخين انه كان لليهود دور في المؤامرة، واستدلوا على ذلك بان كعب الاحبار، وكان يهوديا من اهل اليمن اسلم في عهد عمر وافاض على الناس من اخبار الاسرائيليات، وترجع كثير من اسرائيليات التفسير لروايته، فلما جاء كعب هذا لعمر قبل مقتله بثلاثة ايام، فقال له: «يا امير المؤمنين اعهد فانك ميت في ثلاثة ايام»، فقال عمر: «وما يدريك؟»، قال: «اجد في كتاب الله عز وجل التوراة»، قال عمر: «الله! انك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟»، قال: «اللهم لا ولكني اجد صفتك وحليتك، وانه قد فنى اجلك».[218] وهذه الرواية ان صحت تجعل الكثير يشكون في كون كعب هذا خلع في المؤامرة لكن هذه الرواية على الاغلب لم تصح.
الشورى واستخلاف خليفته

منظر امامي لحجرة عائشة حيث دفن عمر بن الخطاب بجانب الرسول محمد وابو بكر.
مما لا شك فيه ان عمر بن الخطاب اثبت مدى حكمته وهو على فراش الموت، عندما ارسى القاعدة الاساسية في الحكم، والتي دعا الاسلام اليها على اساس مبدا الشورى. وكان عمر يفكر في البداية في ابو عبيدة بن الجراح او سالم مولى ابي حذيفة ولكنهما توفيا قبله وقال: «لو كان ابو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته، فان سالني ربي قلت: “سمعت نبيك يقول: انه امين هذه الامة”، ولو كان سالم مولى ابي حذيفة حيا استخلفته، فان سالني ربي قلت: “سمعت نبيك يقول: ان سالما شديد الحب لله”»،[219] فقال له احد المسلمين: “استخلف ابنك عبد الله”. فقال: «قاتلك الله، والله ما اردت الله بذلك، ويحك لا ارب لنا في اموركم، ما حمدتها لنفسي فارغبها لواحد من اهل بيتي، ان كان خيرا فقد اصبنا منه، وان كان شرا فحسب ال عمر ان يحاسب منهم رجل واحد ويسال عن امر امة محمد. لقد اجهدت نفسي وحرمت اهلي، وان نجوت لا علي ولا لي، فاني اذا لسعيد.»
بناء على هذا اوصى عمر ان يكون الامر شورى بعده في ستة ممن توفي النبي محمد وهو عنهم راض وهم: عثمان بن عفان، علي بن ابي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ابي وقاص.[220] ورفض تسمية احدهم بنفسه قائلا: «والله، ما يمنعني ان استخلفك يا سعد الا شدتك وغلظتك، مع انك رجل حرب! وما يمنعني منك يا عبد الرحمن الا انك فرعون هذه الامة! وما يمنعني منك يا زبير الا انك مؤمن الرضى، كافر الغضب! وما يمنعني من طلحة الا نخوته وكبره، ولو وليها وضع خاتمه في اصبع امراته! وما يمنعني منك يا عثمان الا عصبيتك وحبك قومك واهلك! وما يمنعني منك يا علي الا حرصك عليها! وانك احرى القوم، ان وليتها، ان تقيم على الحق المبين، والصراط المستقيم».[221][222] ولم يذكر عمر بن الخطاب في الشورى، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، رغم انه احد العشرة المشهود لهم بالجنة، وذلك لكونه ابن عمه. كما امر بحضور ابنه عبد الله مع اهل الشورى ليشير بالنصح دون ان يكون له من الامر شيءا، ثم اوصى صهيب بن سنان ان يصلي بالمسلمين ثلاثة ايام حتى تنقضي الشورى.[223] مات عمر بن الخطاب بعد ثلاثة ايام من طعنه، ودفن يوم الاحد اول محرم سنة 24 ه، الموافقة لسنة 644 م، بالحجرة النبوية الى جانب ابي بكر الصديق والنبي محمد، وكان عمره خمسا وستين سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة اشهر واربعة ايام وقيل عشر سنين وخمسة اشهر واحدى وعشرين ليلة،[224] وقد استطاع في هذه الفترة القصيرة ان يرسي قواعد الدولة الاسلامية الاولى التي انشاها النبي محمد.
ما بعد الحادثة
اجتمع اهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، وقيل في حجرة عائشة، وقيل في بيت المال. ثم انحصر الامر بين ثلاثة بعد ان فوض الزبير ما يستحقه الى علي، وفوض سعد ما له الى عبد الرحمن، وترك طلحة حقه الى عثمان. ثم انخلع عبد الرحمن بن عوف ليختار بين اثنين: علي وعثمان، فاخذ يستشير المسلمين سرا وجهرا، فرادى ومثنى ومجتمعين، مدة ثلاثة ايام بلياليها. ثم اجتمع المسلمون في المسجد، ووقف عبد الرحمن بن عوف تحت المنبر وبايع عثمان بن عفان ثم بايعه علي بن ابي طالب والمسلمون في 3 محرم سنة 24 ه، الموافقة لسنة 644م.[225] شخصية عمر بن الخطاب
هيئته الخارجية
كان عمر بن الخطاب ابيض البشرة تعلوه حمرة، وقيل انه صار اسمر في عام الرمادة حيث اصابته مع المسلمين مجاعة شديدة.[226] وكان حسن الخدين، اصلع الراس. له لحية مقدمتها طويلة وتخف عند العارضيان وقد كان يخضبها بالحناء وله شارب طويل.[227] وكان في وجهه خطان اسودان من البكاء لشدة خشيته من الله،[228][229] اما شاربه فقيل انه كان طويلا من اطرافه وقد روى الطبراني، قال: «حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل حدثني ابي ثنا اسحق بن عيسى الطباع قال: “رايت مالك بن انس وافر الشارب فسالته عن ذلك فقال حدثني زيد بن اسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير ان عمر بن الخطاب كان اذا غضب فتل شاربه ونفخ”».[230] وكان طويلا جسيما تصل قدماه الى الارض اذا ركب الفرس يظهر كانه واقف وكان اعسرا سريع المشي.
في السياسة

الدولة الاسلامية في ذروة اتساعها خلال عهد عمر بن الخطاب.
يعتبر عمر بن الخطاب احد ابرز عباقرة السياسة عبر التاريخ، وفي احدى الاستبيانات احتل المرتبة الثانية والخمسين ضمن قائمة اكثر الشخصيات تاثيرا في تاريخ البشرية.[231] كان عمر لا يتعاطى السياسة خلال عهد النبي محمد، اما بعد وفاة الاخير، اظهر عمر حنكة وبراعة في شؤون السياسة، فكان له الفضل في جعل الكثير من الصحابة يبايعون ابا بكر بالخلافة، وكان طيلة عهده يعاونه في شؤون الحكم وادارة الدولة المتنامية يوما بعد يوم. وبعد وفاة ابو بكر ومبايعة عمر الخلافة، استطاع ان يكسب تاييد الكثير من القبائل البدوية بعد ان اطلق سراح جميع سجنائهم الذين اعتقلوا خلال حروب الردة. وكان لمهارته في الخطابة اثر كبير في ازدياد شعبيته بين الناس، وبالاخص الطبقات الفقيرة والمحرومة في المجتمع الاسلامي الفتي. اثبت عمر بن الخطاب كفائته في ادارة شؤون الدولة خلال عام القحط الذي وقعت البلاد خلاله في مجاعة عظيمة، فتمكن بفضل اتباعه لاساليب فعالة ديناميكية من انقاذ ملايين الاشخاص من الموت. واكثر ما يشهد لابن الخطاب ببراعته في حكم الدولة، انشائه لبنيان اداري متين تمكن بواسطته من حكم دولة مترامية الاطراف ومتعددة القوميات، وابقائها متماسكة موحدة لفترة استمرت سنين طويلة بعد وفاته،[232] وكذلك اعجاب وتعلق ابناء الاراضي المفتوحة حديثا به لانتهاجه سياسة التسامح الديني التي يدعو اليها القران، مع اهل الكتاب خاصة، ولفرضه ضرائب عليهم اقل مما كانوا يدفعونه للحكام الروم والفرس خلال العهد السابق للاسلام، ولابقائه عدد من حكام الولايات من اهل تلك البلاد في مناصبهم، ولمنعه الاقتتال بين الطوائف الدينية الكتابية. وكان عمر بن الخطاب شديدا مع عمال الدولة الاسلامية، فكان يوصيهم باهالي الاقاليم خيرا، فيروي الطبري ان عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: «اللهم اني اشهدك على امراء الامصار، اني انما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وان يقسموا فيهم فيئهم، وان يعدلوا، فان اشكل عليهم شيء رفعوه الي».[194] وكان اذا استعمل العمال على الاقاليم خرج معهم يشيعهم ويوصيهم فيقول: «اني لم استعملكم على اشعارهم ولا على ابشارهم، وانما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بالعدل، واني لم اسلطكم على ابشارهم ولا اشعارهم، ولا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جردوا القران، واقلوا من رواية محمد Mohamed peace be upon him.svg وانا شريككم».[194] وكان عمر بن الخطاب يتابع امور الدولة بنفسه على الدوام، فلم يكتفي بان يحسن اختيار عماله، بل كان يبذل اقصى الجهد لمتابعتهم بعد ان يتولوا اعمالهم ليطمئن على حسن سيرتهم ومخافة ان تنحرف بهم نفوسهم، وكان شعاره لهم: “خير لي ان اعزل كل يوم واليا من ان ابقي ظالما ساعة نهار”. كما استمر يطلب منهم على الدوام ان يرسلوا وفدا من اهل البلاد ليسالهم عن بلادهم، عن الخراج المفروض عليهم ليتاكد بذلك من عدم ظلمهم، ويطلب شهادتهم.[194] ومن شدة حرصه على اقامة العدل في البلاد، فكر قبل مقتله ان يجول على الولايات شخصيا لمراقبة العمال، ويتفقد احوال الرعية، وقال: «لئن عشت ان شاء الله لاسيرن في الرعية حولا، فاني اعلم ان للناس حوائج تقطع دوني، اما عمالهم فلا يرفعونها الي، واما هم فلا يصلون الي، فاسير الى الشام فاقيم بها شهرين، ثم اسير الى الجزيرة فاقيم بها شهرين، ثم اسير الى الكوفة فاقيم بها شهرين، ثم اسير الى البصرة فاقيم بها شهرين».[194] كما كان عمر بن الخطاب يخشى انتشار كبار الصحابة في المناطق التي انتشر فيها الاسلام حيث اغراء الدنيا بامتلاك الضياع وافتتان المسلمين بهم مما يوفر لكل منهم الارض والمال والاتباع فيكون لنفسه دولة داخل الدولة، فتضيع بذلك الخلافة وينقسم المسلمون. لذلك كان يقول لهم: “اني اخاف ان تروا الدنيا وان يراكم ابناؤها”.[233] وكان هذا هو السبب وراء عزل عمر لخالد بن الوليد بعد ان فتن الناس به وتحدثوا عن انتصاراته في الشام والعراق،[234] فتغنى الشعراء بفعاله، فوهبهم خالد من ماله واغدق عليهم، ولما بلغه ان الخليفة عزله، اتجه للمدينة المنورة للقاء عمر، محتجا على ما اعتبره ظلما، الا ان عمر اصر على قراره، ونقل عنه انه قال: «اني لم اعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فخفت ان يوكلوا اليه ويبتلوا به. فاحببت ان يعلموا ان الله هو الصانع، والا يكونوا بعرض فتنة.[235][236][237]»
عسكريته

السيف ذو الوشاح سيف عمر بن الخطاب.
◄عرض نقاش تعديل
غزوات عمر بن الخطاب
◄عرض نقاش تعديل
غزوات
الخليفة عمر بن الخطاب
اشتهر عمر بن الخطاب بقوته البدنية الهائلة، فكان اذا ضرب اوجع، يصارع الفتيان في سوق عكاظ فيصرعهم، وقد طغت عليه هذه السمعة اكثر مما طغت عليه سمعته كمبارز بالسيف، لكن اكثر ما اشتهر به في كتب التاريخ كان استراتيجياته العسكرية الباهرة، التي وضعته ضمن قائمة ابرز العسكريين في التاريخ. لعب عمر وخالد بن الوليد دور اساسي في رسم الاستراتيجية العسكرية لجيوش المسلمين خلال حروب الردة، لكن عبقرية الاول العسكرية لم تتجلى الا عام 636م عندما تمكن من تفكيك الحلف الفارسي البيزنطي، بعد ان ابرم الامبراطور هرقل والشاه يزدجرد الثالث اتفاقا تعاهدا خلاله على السير معا ومواجهة المسلمين عدوهم المشترك. وقد استغل عمر بن الخطاب عدم مقدرة الشاه الفارسي على الوصول بجيوشه في فترة متزامنة مع وصول جيش الروم، فهاجمهم ودفعهم الى القتال وهم ما زالوا غير مستعدين. وقد فعل ذلك عبر دفعه بفرق صغيرة من الجنود الى خطوط الجيش البيزنطي، واستمر يفعل ذلك حتى بدا للروم وكان سيلا متدفقا من الامدادات يصل تباعا الى المسلمين، فانقضوا عليهم على الرغم من ممناعة الامبراطور هرقل، فوقعوا في الفخ الذي نصب لهم، وتم الفوز للمسلمين. كذلك اقدم عمر على نقل قسم من جيش الشام الى العراق حتى يلقى جحافل الفرس الى جانب جيش العراق، وقد اثبتت هذه الخطة مدى كفائتها عندما انزل جنود الشام المخضرمين هزيمة قاسية بالفرس في معركة القادسية الحاسمة.
كان لاستراتيجية عمر بن الخطاب وبعد نظره اثر كبير في فوز المسلمين خلال معركة حمص الثانية سنة 638 م، عندما قام مسيحيو الجزيرة الفراتية من العرب، بمهاجمة جناح الجيش الاسلامي بمعاونة الروم، فاخذوا المسلمين على حين غرة ثم ضربوا الحصار على المدينة. فامر عمر بتحريك جيش العراق وفتح بلاد نصارى العرب المشاركين في الهجوم، اي الجزيرة، ليشتت قواتهم ويفرقها، فهاجم المسلمون تلك البلاد، مما جعل المحاصرن يلتفتون ناحية وطنهم للدفاع عنه، لكن عمر ارسل الى سعد بن ابي وقاص قائد جيش العراق ان يرسل الى حمص مددا عسكريا ليضغط على العدو ويشتت قواتهم اكثر فاكثر، وقد اقدم على قيادة فرقة عسكرية بنفسه وسار بها من المدينة المنورة الى حمص، ولما بلغ مسامع المحاصرين قدوم تلك الاعداد الهائلة من الجنود، انسحبوا عائدين الى ديارهم، فتمكن المسلمون من الحفاظ على حمص وفتحوا قسما من بلاد مابين النهرين وارمينية.
يعد فتح جميع اراضي الامبراطورية الفارسية الساسانية اهم انجازات عمر بن الخطاب العسكرية على الاطلاق. كان عمر بن الخطاب قد هادن الفرس بضع سنوات جعل خلالها من جبال زاغروس الحد الفاصل بين اراضي الدولة الاسلامية والامبراطورية الفارسية، وبعد ان استراح الجيش وعاود الجنود استعدادهم، امر الخليفة بمهاجمة الفرس مجددا، فتمكن المسلمون من هزيمتهم الهزيمة الكبرى في معركة نهاوند، ثم انطلقوا يفتحون جميع المدن والقلاع الحصينة، وكانت استراتيجية ابن الخطاب تتمثل في مهاجمة الاهداف مرارا وتكرارا من عدة جوانب حتى تسقط، وقد تمكن من فتح تخوم الامبراطورية عبر مهاجمته مركزها اولا، فعزل بذلك اذربيجان وفارس الشرقية، ثم اصدر اوامره بالهجوم عليها، فسقطت دون عناء كبير، ثم حول انظاره الى سیستان وكرمان وفتحها، عازلا بذلك خراسان. وفي المرحلة الاخيرة من فتح فارس، هاجم المسلمون خراسان وهزموا الفرس اخر هزيمة على ضفاف نهر جيحون، وهرب الشاه يزدجرد الثالث الى اسيا الوسطى.[238] مواقفه واراءه
يشتهر عمر بن الخطاب عند اهل السنة والجماعة بكونه رجل مواقف، وصاحب اقوال واراء بارزة ومهمة، فيرون انه كان دائم الرقابة لله في نفسه وفي عماله وفي رعيته، بل انه ليشعر بوطاة المسؤولية عليه حتى تجاه البهائم العجماء فيقول: «والله لو ان بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسؤولا عنها امام الله، واخاف ان يسالني الله عنها: “لماذا لم تفتح لها الطريق يا عمر؟”»، ومن شدة شعوره بالمسؤولية عن رعيته، حلف لما اشتد الجوع بالناس في عام الرمادة ان لا ياتدم بالسمن حتى يفتح على المسلمين عامه هذا، فصار اذا اكل خبز الشعير والتمر بغير ادم يقرقر بطنه في المجلس فيضع يده عليه ويقول : «ان شئت قرقر وان شئت لا تقرقر، مالك عندي ادم حتى يفتح الله على المسلمين». وكان عمر يامر قادته في الجهاد الا يغزوا بالمسلمين، ولا ينزلوهم منزل هلكة، وقد خطب في ولاته في احدى المرات فقال: «اعلموا انه لا حلم احب الى الله تعالى، ولا اعم من حلم امام ورفيقه، وانه ليس ابغض الى الله ولا اعم من جهل امام وخرقه، واعلموا انه من ياخذ بالعافية فيمن بين ظهرانيه يرزق العافية فيمن هو دونه».[194] وبلغ من درجة شعوره بالمسؤولية انه لم يكن ينام الا قليلا، فكان ينعس وهو قاعد فقيل له: “يا امير المؤمنين الا تنام؟”، فقال: «كيف انام؟ ان نمت بالنهار ضيعت امور المسلمين، وان نمت بالليل ضيعت حظي من الله عز وجل».[239] يرى اهل السنة والجماعة ان عمر كان رجلا ايجابيا، والايجابية هي التفاعل مع الاحداث، والتاثير في سيرها، وعدم السكوت عن الفعل الشاذ، ومن هذا التعريف يستدلون على ايجابيته، فكان يامر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويسعى للتغيير بكل الوسائل المتاحة، ما لم تتعارض مع دينه وعقيدته، ومن مظاهر ايجابيته عدم السكوت عن المشورة، وان لم يكن ذلك مطلوبا منه.[240] وكان كذلك رجلا متواضعا يعيش، كما ابا بكر قبله، وعثمان وعلي بعده، حياة بعيدة عن الابهة والترف، وكان يصرف على نفسه بما يربحه من التجارة،[241] ولم يتخذ لنفسه قصرا او ملبسا فاخرا، ولم يعش حياة الملوك، ومن ابرز القصص التي يستدل بها على ذلك، الرواية الشهيرة التي تقول ان رسولا من الفرس اتجه الى المدينة المنورة ليرى كيف يعيش ملكها وكيف يتعامل مع شعبه، ولما وصل واستدل على بيت الخليفة، وجده مبنيا من طين وعليه شعر ماعز وضعه عمر لكي لا يسقط المطر فينهدم البيت على راسه واولاده، ولما سال عن الخليفة، اشار الناس الى رجل نائم تحت ظل شجرة، وفي ثوبه عدد من الرقع، وبدون اي حراسة، فتعجب من هذا المنظر ولم تصدق ما راته عيناه وتذكر كسرى فارس وقصوره وحرسه وخدمه فقال قولته المشهورة: «حكمت فعدلت فامنت فنمت يا عمر». كذلك يعتبر السنة عمر بن الخطاب احد اكثر الرجال عدلا في التاريخ، ويؤكدون اعتقادهم بما نقل عن الرسول محمد من احاديث، منها ما رواه الامام احمد بن حنبل بسنده عن ابي هريرة قال: «قال رسول الله Mohamed peace be upon him.svg: “ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه”».[242] وما ورد في موطا الامام مالك بن انس بسنده عن سعيد بن المسيب:
عمر بن الخطاب ان عمر بن الخطاب اختصم اليه مسلم ويهودي، فراى عمر ان الحق لليهودي، فقضى له، فقال له اليهودي: “والله لقد قضيت بالحق”. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة، ثم قال: “وما يدريك؟” فقال له اليهودي: “انا نجد انه ليس قاض يقضي بالحق الا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يسددانه، ويوفقانه للحق ما دام مع الحق، فاذا ترك الحق عرجا وتركاه”[243] عمر بن الخطاب
ومن القصص الاخرى التي وردت عن عدل عمر بن الخطاب، ان رجلا قبطيا اتاه يوما من مصر يشكو اليه ضرب احد ابناء عمرو بن العاص لابنه الذي كان يعمل في خدمته، عندما كانا يتسابقان على ظهر الخيل، معتمدا على سلطان والده عمرو والي مصر. فقرر الرجل رفع الامر الى خليفة المسلمين الذي سمع بعدله مع الجميع، حتى ياخذ بحق ولده، ولما تبين لعمر صحة كلامه، كتب الى عمرو بن العاص ان يحضر الى المدينة المنورة بصحبة ابنه، فلما حضر الجميع امامه، ناول عمر الغلام القبطي سوطا وامره ان يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص، فضربه حتى راى انه قد استوفى حقه وشفا ما في نفسه. ثم قال له عمر: «لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك؛ لان الغلام انما ضربك لسلطان ابيه»، ثم التفت الى عمرو بن العاص قائلا: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟».[244] يعد اهل السنة عمر ايضا احد اكثر الرجال بعدا للنظر، ومن اشهر الروايات التي يستدلون بها على ذلك، تلك التي جاء فيها تصرفه عندما كان في زيارة لكنيسة القيامة في القدس. فبعد فتح المدينة، دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد كنيسة القيامة، فلبى دعوته، وادركته الصلاة وهو فيها فتلفت الى البطريرك وقال له “اين اصلي؟”، فقال “مكانك صل”، فقال: «ما كان لعمر ان يصلي في كنيسة القيامة فياتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا». وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى.[245][246] فيعتبرون ان عمر خاف من نشوب صراع بين المسلمين والمسيحيين على ملكية الكنيسة من بعده، وان يكون لهذا الصراع نتائج لا تحمد عقباها، فيؤدي ذلك الى تشويه صورة الاسلام واهله.
اللقب والكنية
الفاروق
لقبه “الفاروق” وكنيته “ابو حفص”، اما كنيته، فقد قيل ان الرسول محمد كناه بذلك يوم بدر[247][248] ويرجع سبب اطلاق المسلمين السنة لقب “الفاروق” على عمر ابن الخطاب، لانه حسب الروايات انه اظهر الاسلام في مكة وفرق بين الحق والباطل. وكان الناس يهابونه، فعندما امن وجاء الى الرسول في دار الارقم بن ابي الارقم قال له: «السنا على حق؟» قال: «بلى» قال: «والذي بعثك بالحق لنخرجن». وخرج المسلمون في صفين صف يتقدمه حمزة بن عبد المطلب وصف يتقدمه عمر فيعتبرون ان فرق الله به بين الكفر والايمان.[249] وقيل اول من سماه بذلك النبي محمد. فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق وابو نعيم في حلية الاولياء عن ابن عباس انه قال:
«سالت عمر رضي الله عنه “لاي شيء سميت الفاروق؟” قال: “اسلم حمزة قبلي بثلاثة ايام، ثم شرح الله صدري للاسلام”، فقلت: “الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى، فما في الارض نسمة احب الي من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، قلت: “اين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قالت اختي: “هو في دار الارقم بن الارقم عند الصفا”، فاتيت الدار وحمزة في اصحابه جلوس في الدار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت، فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: “مالكم؟” قالوا: “عمر”، قال: “فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذ بمجامع ثيابه ثم نثره فما تمالك ان وقع على ركبته”، فقال: “ما انت بمنته يا عمر؟” قال: “فقلت: اشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله”. قال: “فكبر اهل الدار تكبيرة سمعها اهل المسجد”، قال: “فقلت: يا رسول الله السنا على الحق ان متنا وان حيينا؟” قال: “بلى، والذي نفسي بيده انكم على الحق ان متم وان حييتم”، قال: “فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن”، فاخرجناه في صفين حمزة في احدهما، وانا في الاخر، له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال: “فنظرت الى قريش والى حمزة فاصابتهم كابة لم يصبهم مثلها فسماني رسول اللهMohamed peace be upon him.svg يومئذ الفاروق. وفرق الله بين الحق والباطل.”[250][251]»
وروى الطبري في تاريخه، وابن ابي شيبة في تاريخ المدينة وابن سعد وابن الاثير في اسد الغابة في معرفة الصحابة عن ابي عمرو ذكوان قال:« “قلت لعائشة: “من سمى عمر الفاروق؟” قالت: النبي صلى الله عليه وسلم”.[252][253][254]» وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق والمتقي الهندي في كنز العمال عن النزال بن سبرة قال: «وافقنا من علي يوما اطيب نفسا ومزاجا فقلنا يا امير المؤمنين حدثنا عن عمر بن الخطاب قال: “ذاك امرؤ سماه الله الفاروق فرق به بين الحق والباطل”.[255][256][257]» وقيل سماه به اهل الكتاب. قال ابن سعد في الطبقات الكبرى: « قال ابن شهاب: “بلغنا ان اهل الكتاب كانوا اول من قال لعمر الفاروق، وكان المسلمون ياثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا ان رسول الله ذكر من ذلك شيئا ولم يبلغنا”[258]» وقيل سماه به جبريل عليه السلام، رواه البغوي.[259][260] امير المؤمنين
على خلاف مع الشيعة، يرى اهل السنة ان عمر بن الخطاب اول من سمي بامير المؤمنين، فبعد وفاة النبي محمد خلفه ابو بكر والذي كان يلقب بخليفة رسول الله كما يروي ذلك اهل السنة. فلما توفي ابو بكر اوصى للخلافة بعده لعمر بن الخطاب، فقيل لعمر “خليفة خليفة رسول الله”. فاعترض عمر على ذلك قائلا: «فمن جاء بعد عمر قيل له خليفة خليفة خليفة رسول الله فيطول هذا ولكن اجمعوا على اسم تدعون به الخليفة يدعى به من بعده الخلفاء» فقال بعض اصحاب الرسول: «نحن المؤمنون وعمر اميرنا». فدعي عمر امير المؤمنين.[261].
وروى البخاري في الادب المفرد والحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير وغيرهم: ان عمر بن عبد العزيز سال ابا بكر بن سليمان بن ابي حثمة : لم كان ابو بكر يكتب: من ابي بكر خليفة رسول الله، ثم كان عمر يكتب بعده: من عمر بن الخطاب خليفة ابي بكر، من اول من كتب: امير المؤمنين؟ فقال: «حدثتني جدتي الشفاء، وكانت من المهاجرات الاول، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه اذا هو دخل السوق دخل عليها، قالت: “كتب عمر بن الخطاب الى عامل العراقين: ان ابعث الي برجلين جلدين نبيلين، اسالهما عن العراق واهله، فبعث اليه صاحب العراقين بلبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة فاناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص، فقالا له: يا عمرو، استاذن لنا على امير المؤمنين عمر، فوثب عمرو فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص؟ لتخرجن مما قلت، قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقالا لي: استاذن لنا على امير المؤمنين، فقلت: انتما والله اصبتما اسمه، وانه الامير، ونحن المؤمنون”». فجرى الكتاب من ذلك اليوم.[262][263] وقال الذهبي في “تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام”: قال الزهري: “اول من حيا عمر بامير المؤمنين المغيرة بن شعبة”.[264] في حين يرى الشيعة على ان علي بن ابي طالب هو اول من لقب بامير المؤمنين.[265][266] ويروى كذلك ان عبد الله بن جحش الاسدي هو اول من سمي بامير المؤمنين في السرية التي بعثه فيها النبي محمد الى نخلة حسب الاحاديث الصحيحة الواردة في كتب السنة[267] زوجاته وذريته

تزوج وطلق ما مجموعه سبع نساء في الجاهلية والاسلام وله ثلاثة عشر ولدا،[268] اما نسائه فهن:
قبل الاسلام
قريبة بنت ابي امية بن المغيرة بن مخزوم المخزومية القرشية، اخت ام سلمة، بقيت قريبة على شركها، وقد تزوجها عمر في الجاهلية، فلما اسلم عمر بقيت هي على شركها زوجة له، حتى نزلت الاية: ﴿يا ايها الذين امنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله اعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن واتوهم ما انفقوا ولا جناح عليكم ان تنكحوهن اذا اتيتموهن اجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسالوا ما انفقتم وليسالوا ما انفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾، وذلك بعد صلح الحديبية فطلقها ثم تزوجها معاوية بن ابي سفيان وكان مشركا، ثم طلقها. ولم يرد انها ولدت لعمر.
ام كلثوم مليكة بنت جرول الخزاعية: تزوجها في الجاهلية ولدت له زيدا، وعبيد الله، ثم طلقها بعد صلح الحديبية بعد نزول الاية: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، فتزوجها ابو جهم بن حذيفة وهو من قومها وكان مثلها مشركا.
زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحية القرشية: اخت عثمان بن مظعون، تزوجها بالجاهلية في مكة، ثم اسلما وهاجرا معا الى المدينة المنورة ومعهما ابنهما عبد الله بن عمر. وولدت له حفصة وعبد الرحمن وعبد الله.
بعد الاسلام
جميلة بنت ثابت بن ابي الاقلح الاوسية الانصارية: وهي اخت عاصم بن ثابت كان اسمها عاصية فسماها النبي محمد جميلة، تزوجها في السنة السابعة من الهجرة ولدت له ولدا واحدا في العهد النبوي هو عاصم ثم طلقها عمر. فتزوجت بعده زيد بن حارثة فولد له عبد الرحمن بن زيد فهو اخو عاصم بن عمر.
عاتكة بنت زيد وهي ابنة زيد بن عمرو بن نفيل بن عدي العدوية القرشية. واخت سعيد بن زيد احد العشرة المبشرين بالجنة، زوجة عبد الله بن ابي بكر من قبله،[269] ولدت له ولدا واحدا هو عياض بن عمر. تزوجت من الزبير بن العوام بعد وفاة عمر.
ام حكيم بنت الحارث بن هشام بن مخزوم المخزومية القرشية: كانت تحت عكرمة بن ابي جهل،[270] فقتل عنها في معركة اليرموك، فخلف عليها خالد بن سعيد بن العاص، فقتل عنها يوم مرج الصفر، فتزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له فاطمة بنت عمر.
ام كثلوم بنت علي بن ابي طالب الهاشمية القرشية:(1). تزوجها وهي صغيرة السن، وذلك في السنة السابعة عشرة للهجرة،[271] وبقيت عنده الى ان قتل، وهي اخر ازواجه، ونقل الزهري وغيره: انها ولدت لعمر زيد،[272] ورقية.[273] الاراء والمواقف حول عمر
نظرة اهل السنة والجماعة

تخطيط لاسم عمر بن الخطاب على احدى جدران ايا صوفيا.

منظر جانبي اخر داخل ايا صوفيا يظهر فيه تخطيط اسم النبي محمد وعمر بن الخطاب جنبا الى جنب.
يعد عمر بن الخطاب احد اكثر الشخصيات تبجيلا عند اهل السنة والجماعة، فيعتبرونه احد اكثر الرجال ورعا وتقوى، ومن اشد الصحابة حبا للاسلام ودفاعا عنه وعن اهله، ومن اكثرهم اخلاصا له. وهم يقرون بصحة خلافته كما بصحة خلافة باقي الخلفاء الراشدين، ويعتبر اهل السنة ان عمر كان مثال القائد الصالح، فلم يتخذ عرشا ولم يعش حياة مختلفة عن حياة الناس العاديين ودائما ما فضل مصلحة الامة الاسلامية على مصلحته الشخصية، وانه ثالث خير الناس للامة بعد الرسول محمد وابي بكر [274]، وذلك نقلا عن علي بن ابي طالب، حيث روى البخاري في صحيحه والترمذي في السنن والطبراني في المعجم الاوسط، عن محمد بن الحنفية (وهو محمد بن علي بن ابي طالب) قال:
«قلت لابي: “اي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قال: “ابو بكر”. قلت: “ثم من؟” قال: “ثم عمر”. وخشيت ان يقول عثمان، قلت: “ثم انت؟” قال: “ما انا الا رجل من المسلمين”.[275][276][277]»
وقد وردت احاديث واثار عديدة تبين فضل عمر ومكانته. ومنها:
ما رواه البخاري ومسلم والنسائي والطبراني واحمد وغيرهم عن سعد بن ابي وقاص قال:
«ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: “والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك”-حديث صحيح[278][279][280][281]»
وروى البخاري عن ابي هريرة ومسلم عن عائشة ان الرسول قال:
«انه كان قد كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون، وانه ان كان في امتي هذه منهم فانه عمر بن الخطاب-حديث صحيح[282][283]»
وروى الطبراني في الكبير (8813/9) باسناد حسن من طريق زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال:
«اذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، ان اسلامه كان نصرا، وان امارته كانت فتحا، وايم الله ما اعلم على الارض شيئا الا وقد وجد فقد عمر حتى العضاه، وايم الله اني لاحسب بين عينيه ملكا يسدده ويرشده، وايم الله اني لاحسب الشيطان يفرق منه ان يحدث في الاسلام حدثا فيرد عليه عمر»
وعن طلحة بن عبيد الله قال: «ما كان عمر باولنا اسلاما ولا اقدمنا هجرة، ولكنه كان ازهدنا في الدنيا وارغبنا في الاخرة»، خرجه الفضائلي.[284] احاديث مرفوعة :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” انه لم يكن قبلي نبي الا قد اعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، واني اعطيت اربعة عشر: حمزة، وجعفر، وعلي، وحسن، وحسين، وابو بكر، وعمر، والمقداد، وعبد الله بن مسعود، وابو ذر، وحذيفة، وسلمان، وعمار، وبلال “.[285][286] نظرة الشيعة
Crystal Clear app kdict.png طالع ايضا: سقيفة بني ساعدة مظلومية الزهراء
تقسم وجهة النظر الشيعية حول عمر بن الخطاب الى قسمين: راي الشيعة الاثنا عشرية وراي الشيعة الزيدية. اما الاثنا عشرية فنظرتهم الى ابن الخطاب نظرة سلبية، وهو عندهم منقلب خائن للنبي محمد، ومغتصب لحق علي بن ابي طالب في خلافة المسلمين، وعند بعض المراجع فهو قاتل ابنة الرسول وزوجة الامام علي، فاطمة الزهراء. وفي هذه الرواية ان عمر اتجه الى دار فاطمة لياتي بعلي والزبير بن العوام ليبايعا ابا بكر بالخلافة، فاقبل بقبس من نار على ان يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: “يا بن الخطاب، اجئت لتحرق دارنا؟” قال: “نعم، او تدخلوا ما دخلت فيه الامة”،[287][288][289] وقد اشار عدد من علماء الشيعة الى ان عمر بن الخطاب اضرم النار في الدار وتعرض لفاطمة بالضرب بعد ان قاومته، الامر الذي جعلها تجهض حملها وتفارق الحياة بعد فترة،[290][291] على انهم اختلفوا في كيفية حصول ذلك على وجه الدقة.[292] كذلك تعتبر الاثنا عشرية ان اول من لقب بالفاروق من قبل النبي محمد هو علي بن ابي طالب.[293] اما الزيدية فنظرتهم الى عمر بن الخطاب اكثر اعتدلا، فهم يقرون بصحة خلافته ولا يسبونه، لكنهم يعتقدون على الرغم من ذلك ان الامام عليا احق بالخلافة، وذلك بناء على مبدا خلافة المفضول مع وجود الافضل.[294] نظرة المسيحية
من المعروف ان الكنائس المسيحية الكاثوليكية والارثوذكسية والبروتستانتية، لا تقدم رايا في الشخصيات غير الدينية، فموقفها ونظرتها محصورة في انبياء ومؤسسي الديانات الاخرى، اما اتباعهم وصحابتهم فلا تبدي رايها بهم غالبا. غير ان احتكاك المسلمين بالمسيحيين في الشام والعراق ومصر خلال عهد عمر بن الخطاب، ولجوء بعض رجال الدين النصارى اليه شخصيا ليرفع ظلم الروم عن رعاياهم، جعل بعض المؤرخين المسيحيين يذكرون عمر بن الخطاب بالخير ويحيطونه بالاحترام والتبجيل.[295] ونقل البعض امثال ميخائيل الكبير ان رافضي مجمع خلقيدونية رددوا: “المجد لرب النقمة الذي نجانا على يد الاسماعيليين من البيزنطيين”،[296] ويرى المؤرخ اليسوعي هنري لامنس ان هذا التعاون والترحيب هو ما يفسر السقوط السريع للشام والعراق البالغ عدد سكانها زهاء اربعة ملايين نسمة بفترة زمنية قصيرة وبعدد قليل نسبيا من الجنود.[297] وكان لمنح عمر سكان ايلياء “القدس” عهدا بحماية اماكن عبادتهم وبتوفير الامان لهم ولاموالهم وبحرية ممارسة شعائرهم الدينية، مقابل دفع الجزية سنويا لبيت المال، اثر في حصوله على احترام وحب المسيحيين الذين عاصروه، والعديد من الذين تابعوا سيرته في الاجيال اللاحقة.[298] راي الغرب
قال المؤرخ الامريكي واشنطن ايرفينجفي كتابه “محمد وخلفاؤه”:
عمر بن الخطاب ان تاريخ عمر بالكامل يظهر لنا انه (عمر) كان ذو عقلية فذة، ونزاهة ثابتة صلبة، وعدالة صارمة، وكان اكثر من اي احد اخر هو المؤسس للامبراطورية الاسلامية، مؤكدا ومنفذا للوحي النبوي، مساعدا ومشاورا لابي بكر خلال فترة خلافته القصيرة، وواضعا ومؤسسا للانظمة واللوائح التي تنظم ادارة القانون عبر حدود وانحاء الفتوحات الاسلامية الممتدة بسرعة، وقد كانت (سياسة) اليد الصارمة التي تعامل بها مع قادة جيوشه الاكثر شعبية في خضم جيوشهم وفي ابعد مشاهد انتصاراتهم، اعطت (هذه السياسة) دليلا بارزا على قدرته الاستثنائية على الحكم.
من خلال بساطة عاداته وازدرائه لمظاهر البهاء والترف والابهة، فقد اقتدى بمثال النبي وابو بكر. وقد سعى بشكل مستمر ليؤثر ويحث قادة جيوشه على التحلي بهذه الصفات والسياسات، ففي رسائله لقادة الجيوش كان يقول: “حذار من الترف الفارسي، سواء في المطعم او في الملبس والزموا عادات بلادكم البسيطة، وسينصركم الله عليهم وسيفتح لكم.” وقد كانت عقيدته القوية واقتناعه الراسخ بهذه السياسات هي التي جعلته يتشدد في معاقبة كل اسلوب متباه وانغماس فاخر في ضباطه. وبالاضافة لذلك، فان المراسم المتبعة (في وقته) تشير بالثناء على قلبه بالاضافة الى عقله، فقد نهى ان تباع اية امراة وقعت في الاسر وقد ولد لها طفل على انها رقيق، واما عند توزيع الاعطيات للمسلمين، من الغنائم او من بيت المال، فقد قسمها حسب حاجات وليس مميزات الطالبين، وكان يقول: “الله اعطانا هذه الاشياء الدنيوية لسد احتياجاتنا، وليس لمكافاة فضائلنا، تلك المكافاة حسابها في الاخرة”.[299] عمر بن الخطاب
ويقول المستشرق الاسكتلندي وليم موير في كتابه “صعود وانحدار الخلافة”:
عمر بن الخطاب ان حياة عمر لا تتطلب الكثير لاظهار ملامحها، البساطة والواجب كانتا مبادءه التوجيهية، النزاهة والعدل والتفاني كانت الميزات الرائدة في حكمه، وكانت تثقل كاهله مسؤولية الخلافة حتى انه كان يقول: “يا ليت امي لم تلدني، او اني كنت قصبا من عشب بدلا من ذلك”. كان في صباه ذا مزاج ناري سريع الاتقاد، ومن ثم عرف بعد ذلك في الايام القادمة خلال صحبته الاولى لمحمد كالمحامي الصارم المتاهب للثار، ومن ذلك نصيحته بان يقتل اسارى بدر، ولكن التقدم في العمر فضلا عن كاهل المسؤولية قد خففت من حدته، وكان حسه بالعدالة قويا. وباستثناء ما وقع بينه وبين خالد بن الوليد من المشاحنات، فانه لم يسجل عليه اي عمل من الطغيان او الظلم، وحتى في مسالته مع خالد فانما كانت معاملته له كخصم في الحق وليس لاهواء شخصية. وكان اختياره لقادة جيوشه خاليا من المحاباة والتفضيلية، وباستثناء عمار والمغيرة فان اختياره كان دائما محظوظا.
ان القبائل والجماعات المختلفة في انحاء الامبراطورية، والتي تمثل المصالح الاكثر تنوعا، قد وضعت في نزاهته الثقة المطلقة، وقد ابقت قبضته القوية على انضباط القانون والامبراطورية… كان يجوب شوارع واسواق المدينة وسوطه بيده، جاهزا لمعاقبة المفترين فورا، وهكذا ظهر المثل “ان درة عمر (سوطه) مهاب اكثر من سيف غيره”. ولكن مع كل هذا، فقد كان رقيق القلب، وسجلت له افعال من الشفقة والرحمة لا تعد مثل مواساة وتخفيف حاجات الارامل واليتامى..” [300] عمر بن الخطاب
وفي كتاب “تاريخ افول وسقوط الدولة الرومانية”، يقول المؤرخ الانجليزي ادوارد جيبون:
عمر بن الخطاب ومع ذلك فان عفة تواضع عمر لم تكن باقل مستوى من فضائل ابي بكر، كان طعامه (عمر) يتكون من مجرد التمر او الخبز، وكان شرابه الماء. وكان يخطب بالناس وعليه ثوب مخرق في اثني عشر موضعا. وقد راه المرزبان (حاكم مقاطعة فارسي) عندما اتى زائرا ليؤدي لعمر فروض الطاعة، راه نائما مع الفقراء المعدمين في احد طرقات المدينة. ان هذا التواضع والتسامح مقرونا بزيادة الدخل العام (للدولة) مكن عمر من توزيع الاعطيات على المؤمنين بشكل عادل ومنتظم متجاهلا لمكافاة نفسه. فمثلا اعطى العباس عم الرسول اول واعلى المخصصات، حوالي خمس وعشرين الف درهم. وخصص خمسة الاف للمجاهدين الاولين ممن شهدوا بدرا، اعطى للباقين من اصحاب محمد ثلاثة الاف درهم لكل منهم.
… خلال خلافته ومن سبقه (ابو بكر) فقد كان فاتحوا الشرق هم عبيد الله المخلصون، كانت الثروات المجتمعة مكرسة للنفقات، للحرب والسلام، في مزيج حكيم من الغنيمة والعدالة. حافظ هذا على اتحاد وانضباط اهل الصحراء عن طريق سعادة نادرة كونت توازنا بين تنفيذ الحكم المطلق والحكم الجمهوري من خلال ثوابت متساوية للكل.[301] عمر بن الخطاب
هوامش
1 يختلف علماء السنة والشيعة في مسالة زواج عمر بن الخطاب من ام كلثوم بنت علي بن ابي طالب، اذ ان السنة يؤكدونها بينما الشيعة ينكرونها. ووفق الرواية السنية فان عمر خطب ام كلثوم وهي صغيرة، فقيل له: “ما تريد اليها؟”، قال: “اني سمعت رسول الله Mohamed peace be upon him.svg يقول: “كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة الا سببي ونسبي”. وروى عبد الله بن اسلم عن جده ان عمر تزوجها فاصدقها اربعين الفا. وبهذا فان السنة يعتقدون ان عمر تزوج بام كلثوم حتى يصبح من انسباء النبي محمد. ويروى ان عمر قال لعلي: “زوجنيها ابا حسن فاني ارصد من كرامتها ما لا يرصده احد”. قال: “فانا ابعثها اليك، فان رضيتها فقد زوجتها”. قال: “فبعثها اليه ببرد وقال لها: “قولي له هذا البرد الذي قلت لك”، فقالت له ذلك، فقال: “قولي له قد رضيت الله عنك”، ووضع يده على ساقها فكشفها، فقالت: “اتفعل هذا؟ لولا انك امير المؤمنين لكسرت انفك”، ثم مضت الى ابيها فاخبرته، وقالت: “بعثتني الى شيخ سوء!” قال: “يا بنية انه زوجك”. ونقل الزهري وغيره انها ولدت لعمر زيدا، وقيل ولدت رقية.[302] اما الشيعة فقد ذهب عدد من علمائهم الى ان ام كلثوم زوجة عمر هي بنت جروة لانه قد ثبت ان ام عبيد الله بن عمر بن الخطاب هي ام كلثوم بنت جروة. فقال قال ابن حبان: «عبيد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي امه بنت حارثة بن وهب الخزاعي قتل يوم صفين وكان مع معاوية»،[303] وقال ابن حجر: «عبيد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي امه ام كلثوم بنت جرول الخزاعية وهو اخو حارثة بن وهب الصحابي المشهور لامه ولد في عهد النبي».[304] ويقول بعض علماء الشيعة انه لو سلم جدلا ان الزواج قد وقع فعمر ظاهره مسلم وعندهم يجوز تزويج المسلم، والزواج في نفسه لا يدل على شيء، وفي كثير من الاحيان الزواج لا يدل على الفضل والمحبة كما في زواج فرعون من اسية بنت مزاحم، فهي كانت مؤمنة، فان كانت الشريعة في تلك الازمنة تجوز زواج الكافر من المسلمة فيمكن القول بان عمر مسلم ويجوز ان يتزوج من ام كلثوم وهذا لا يدل على اي فضيلة، فعلى سبيل المثال، عندما راى النبي لوط ان المصلحة المرتبطة بالشريعة تقتضي ان يطلب من قومه وهم كفار، الزواج من بناته، طلب ذلك منهم.[305]


بحث عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه , موضوع بحثي شامل عن امير المؤمنين سيدنا عمر