يوم 10 أغسطس 2020 الإثنين 11:58 صباحًا

الفكر السياسي المسيحي في العصور الوسطى , كيف كان الحكم السياسي المسيحي قديما

pictures صورة

الفكر السياسي بالعصور الوسطى

ان التطور الذي عرفه الفكر السياسي الاوربي الحديث لم يات فجاة بل مر بعدة مراحل بتكوينه انطلاقا من الفكر السياسي

اليوناني مرورا بالفكر السياسي الروماني و صولا الى العصور الوسطي او عصور الظلام كم يسميها البعض و التي دامت حوالي10

قرون، و العصور الوسطي هي عصر من عصور التاريخ الاوربي سميت بهذا الاسم نظرا لانها توسطت العصور القديمة و العصور

الحديثة، و الحدث التاريخي الذي يشكل بداية العصور الوسطي هو سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية عام476 م اما اكتشاف

كريستوف كولمبوس لامريكا فيعتبر نهايتها، و سميت كذلك بعصور الظلام و رحلة التيه او طور التشكل نظرا لما ساد بها من تدهور

للاوضاع و ركود علمي و فكري.

اولا: ازدواج السلطة و نظرية السيفين)):.

ظهرت المسيحية كحركة اسلاميه لها نظامها المستقل عن الدولة و كانت هي المسئولة عن النواحي الروحية و تسعى لتخليص الانسان من الخطيئة، فعندما بعث الله سبحانه و تعالى النبي عيسى عليه و على نبينا السلام، لم تكن دعوته تتعرض لنظام حكم. لكن سرعان ما حاول بعض اليهود(الفريسيين الايقاع فيه من اثناء القول انه لا يدفع الضرائب لقيصر و ارسلوا له تلامذتهم ليسالوه اذا كان مسموحا بدفع الضرائب ام لا للامبراطور. فطلب منهم المسيح على ان يروه نوعية الضرائب التي يدفعونها لقيصر. فاروه العملة التي عليها صورة القيصر، فقال لهم(كما و رد بالتراث المسيحي و الاناجيل): اعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله. و ربما اتخذ بعض المسيحيون هذي المقوله لاحقا لفصل الدين عن الدولة. بمعنى اولي هذي الجملة كانت انقلابا او ثورة.انها تطرح مبدا غريبا على العالم اليوناني/الروماني كما كذلك على العالم اليهودي:الدين و السياسة لهما مجالات مختلفة. القاعدة الحديثة تتعارض مع النظام السياسي/الديني السائد و هو الحكم الثيوقراطي، انها تكسر الوحدة التقليدية للسلطة. و تقر بمبدا ثنائية السلطة المتمركزة حول شرعيتين متمايزتين للقوانين. المؤسسة السياسية الزمنية(الامبراطورية و المؤسسة الكهنوتية الروحية(الكنيسة).

ولكن مع تعاظم دور الكنيسة و تمتعها بسلطة منافسة لسلطة الامبراطور طرحت الكنيسة فكرة (الولاء المزدوج) و التي تدور حول و جوب خضوع المسيحي لنوع من الولاء المزدوج انطلاقا من ازدواج طبيعته فالانسان يتكون من روح و جسد و الروح تتوجه بالولاء نحو خالقها و الذي تخرج سلطته بالارض من اثناء الكنيسة اما الجسد فيتوجه بولائه الى السلطة الدنيوية ممثله بالحكومة الامبراطورية ، و كذا خرجت الى الوجود((نظرية السيفين او ازدواج السلطة على اساس وجود نوعين من الوظائف بالمجتمع .

1 و ظائف خاصة بالقيم الروحية و الاخلاقية و تتولاها الكنيسة و تراقبها .

2 و ظائف تتعلق بالمحافظة على الامن و النظام و تحقيق العدالة و تتولاها الحكومة.

وكما كتب سان توماس، لكل منهما الوسائل و الغايات الخاصة به. الدولة لها قوانينها، الكنيسة لديها قوانينها ايضا، المجتمع السياسي و الكنيسة هما مستقلان الواحد عن الاخر”

وفي القرن الرابع الميلادي مع اقتراب نهاية العظمة الامبراطورية الرومانية اعتنق امبراطور روما الدين المسيحي، مما ادى لانتشار المسيحية باوروبا التي كانت تسيطر عليها دولة الروم. فامبراطور روما “قسطنطين” وصل للحكم بالعام 306م و استمر حتى 337م، و هو الذي نقل مركز الامبراطورية من روما الى القسطنطينية واسمها بيزنطة قبل تغيير الاسم و جعل المسيحية دين الدولة مما ادى لانتشار المسيحية بشكل و اسع و ادى ايضا لسيطرة الكنيسة على الحكم و الملوك اللاحقين. و بوقت من الاوقات، ” شارلمان ” حاول توحيد المسيحية الغربية تحت سلطته الخاصة و التي بنفس الوقت هي زمنية و روحية حيث اعتبر نفسه زعيما اسلاميا محاولا اخذ جزء من السلطة الداخلية للكنيسة و هنا تزايد دور الكنيسة مع ضعف الامبراطورية و تناقصت سلطة الاباطرة بحيث اصبحت سلطة الكنيسة موازية لسلطة الامبراطورية . فمنحت روما حق تجاوز و عزل الاباطرة للسلطتين الروحية ممثلة بالكنيسة اوالزمنية ممثلة بالسلطة السياسية و لكن تحت و صاية الكنيسة.

ونميز بالعصور الوسطي مرحلتين مهمتين و هما

– مرحلة اباء الكنيسة(الكاثوليكية): هذي المرحلة تميزت بمحاولة الكنيسة فرض ذاتها داخل حدود الامبراطورية الرومانية و لهذا سميت بحقبة تنظيم الديانة المسيحية خاصة بعد اعتناق الامبراطور قسطنطين للديانة المسيحية و امتازت بالانحطاط حتى بالنسبة للعلوم الموروثة عن اليونانيين فقد اندثرت.

والكاثوليكية لاحقا باتت هي مذهب المسيحيين الذين يعتبرون بابا روما زعيمهم الروحي باعتباره خليفة القديس بطرس و هو الذي يضمن و حدة الكنيسة بالمكان و هويتها بالزمان، لذا فهو بنظرهم معصوم عن الخطا بكل ما يتعلق بشؤون الدين و هو اسقف و لكن اعلى من سائر الاساقفة الاخرين مرتبة.

– مرحلة الفلسفة المدرسية: تمتد من القرن 08 الى القرن 14 قبل عصر النهضة، و لقد بدات بانتشار الثقافة اللاتينية الى الشمال و هكذا تحول البلاد الجرمانية من الوثنية الى المسيحية و تميزت ايضا بظهور الجامعات و المدارس الا انه لم يسجل اي ابداع فلسفي. و لقد بلغت الفلسفة المسيحية ذروتها خاصة مع القديس توما الاكويني.

2 اباء الكنيسة:

ما بين الفلسفة القديمة و الفلسفة الوسيطة فان دروب الارتباط الكبرى تمر عبر اباء الكنيسة، و تطلق هذي التسمية على الكتاب المسيحيين بالقرون الوسطي من التاريخ المسيحي، و الذين بسبب قداسة حياتهم تلقوا رضى الكنيسة. و من بين جميع الاباء الذين عرفهم العصر الوسيط، فان القديس اوغسطينوس هو الذي بدون منازع ما رس التاثير الاعمق و الاوسع، و هو صاحب القول الشهير: “اذا لم تكن تعتقد، فانك لن تفهم، افهم كي تعتقد، و اعتقد كي تفهم”. و كذا لا يلغي الايمان المسيحي العقل او البحث، و لا يقتل الفكر.

ا اوغسطينوس القديس اوغسطين الكبير(:

القديس اوغسطين 354-430م)ينحدر من اصول امازيغية ولد بتغاست عام354م, عندما بلغ الحادية عشر من عمره,ارسلته اسرته للتعلم بعدها ذهب الى قرطاج لتعلم البيان. و بالرغم من ان امه مونيكا امازيغية و مسيحية و والده كان و ثنيا, الا انه لم يعتنق المسيحية فورا بل جرب عدة مذاهب حتى صيف 386 بعد قراءته لسيرة القديس انطونيوس الكبير و تاثره فيها قرر اعتناق المسيحية و دخل بسلك الكهنوت. و ربما الف اوغسطين العديد من المواعظ و التاملات الدينية التي و صلنا منها 500 موعظة و 200 رسالة اهم مؤلفاته على الاطلاق كتابي “مدينة الله” و ”الاعترافات” – من اهم كتب السيرة الذاتية بالتاريخ .

وفي كتابة “مدينة الله” دافع اوغسطين عن المسيحية ضد اعدائها و ذكر ان المدينة الوحيدة التي لها قيمة هي المدينة المبنية على قيم المسيحية او”مدينة الله” و طلب من الملوك اللجوء الى سلطة البابا لان الخلاص لن يتم الا عن طريق الكنيسة، لذلك فقد ادان اوغسطين طغيان الملوك و استضعاف الامم الفقيرة و اكد ان على”الملك” ان يصبح بخدمة الاله.. و بالرغم من هذا راى بان الطغيان من الحكام “لا يبرر”الثورة عليهم. و ان المسيحية يجب ان تركز على المحبة و الطاعة للدولة. فامن اوغسطين بان الحياة الاجتماعية مقدسة و لذا فان الدولة هامة بحياة الناس للحفاظ على المجتمع و هذي الدولة ليست الا حقيقة متغيرة و مؤقتة و هي مهياة للاختفاء عندما ستاتي مملكة الله . و يقول اوغسطين بان كل السيادات و كل السيطرات الانسانية ستنعدم فيما بعد ب“مملكة الله” و بانتظار هذا يجب على المحكومين ان يطيعوا السلطة بحدود غاياتها الخاصة لان كل سلطة قائمة بهذا العالم يجب ان تمجد و ان على المؤمن باختصار و اجب الانحناء امام المخطط الالهي.

اما بالنسبة لمعرفة من يصبح القيصر, فاوغسطين يذكر ان شكل الحكم او الدستور هو امر دنيوي بحت يتعلق بطبيعة الشعب الذي سيحكم و ايضا بالظروف. و العدالة بنظر اوغسطين هي ضرورة و هي الفضيلة التي تعطي لكل واحد ما يعود له و بدونها لن تكون الممالك الا مجتمعات موسعة لقطاع الطرق, لذلك فان الدولة المسيحية التي اقامت الله و سط مؤسساتها ستجد القوة و الاستقرار لانها تعمل على التحضير للمدينة السماوية و الاقتراب منها بقدر الامكان بهذه الدنيا. و دعا اوغسطين لوحدة الكنيسة و عالمية سيطرتها على العالم المسيحي، و قال بان النور الوحي الالهي هو الذي يعطي الانسان الحقائق. فامن بان هنالك مدينة الله و مدينة الشيطان و ان مدينة الله لا ممكن معرفتها الا من اثناء سلطة الكنيسة المقدسة و هي غير القابلة للنقاش.

تاثر بفلسفة القديس اوغسطين عدد منكبيرة الفلاسفة مثل القديس توما الاكويني و جون كالفن و ما رتن لوثر و غيرهم.

ب القديس توما الاكويني 1225 1274″ Thomas Aquinas”

هو القديس الكاثوليكي توما الاكويني مؤسس الاتجاه التجديدي بالفلسفة المسيحية بواسطة الارسطية ارسطو طاليس)، اقام الاكويني لاهوته الفلسفي على مزيج من الاعتماد على البراهين العقلية الارسطية و على نصوص الكتاب المقدس للعقيدة المسيحية، و هو الامر الذي يتضح بمعظم مؤلفاته و خاصة”الخلاصة اللاهوتية” و ”الرد على الوثنيين”، و ”مختصر اللاهوت” هي كلها تدور حول اثبات ان العقل و المفاهيم العقائدية لا تعارض بينهما.

ويرى “توما الاكويني” ان الدولة هي هيئة موحدة مكلفة بتنظيم افرادها،واذا كان النظام بالجماعات الحيوانية و الحشرات كالنمل و النحل يصدر عن الغريزة، فان النظام بالجماعات الانسانية يصدر عن العقل و الارادة و من بعدها فهو يقوم على ضرب من التعاقد، و يرى توما ان الحكومة الموناركية(الملكية و حكومة الفرد الفاضل هي اروع نوعيات الحكومات، فهي اكثر مطابقة للطبيعة حيث ان الطبيعة تكونت من مبدا واحد، فكما ان(الجسم تديره النفس)،(والاسرة يديرها الاب)،(والعالم يديره الله ايضا فان الدولة يجب ان يديرها فرد واحد). و يؤكد كذلك ان ذلك الحاكم لابد ان يصبح بالانتخاب، و ان يعاون الحاكم الاوحد مجلس ارستقراطي ينتخبه الشعب،ذلك هو النظام الذي سنه الله لموسى، فكان موسى يحكم بمعاونة اثنين و سبعين رجلا حكيما يختارهم الشعب. و يرى”توما الاكويني” ان من اهم و ظائف الدولة نجد

1_تحقيق الامن و الطمانينة بالحياة و تامين الافراد و الجموع من الاخطار .

_2تحقيق النظام و ضمان العدالة بواسطة التشريعات القانونية .

3_ترويج الحد الادنى من الاخلاق بمساعدة الكنيسة التي تعمل اساسا على الحياة الاخلاقية .

4_حماية الدين و بذلك محافظة و مساعدة للكنيسة .

5 و بما ان الدولة عرضة للخطر الخارجي فقد وجب عليها الاستعداد للحرب و اعتبار هذا و ظيفة جوهرية لها، مع الاخذ بعين الاعتبار ان تكون الحرب عادلة، و لكي تكون ايضا يجب توافر ثلاثة شروط

ا ان تعلنها السلطة الشرعية و تباشرها بنفسها .

ب ان تعلنها لسبب عادل اي لدفع الظلم .

ج ان تمضي بها بنية صادقة و بعزم ثابت .

وبما ان مهمة رجال الدين لا تتفق مع عمل من اعمال الدنيا و بخاصة الحرب و سفك الدماء، فان من الواجب عليها استعمال الاسلحة الروحية من و عظ و صلاة و اقامة شعائر الدين .

كما يرى ” توما الاكويني “ان الدولة اجتماع سياسي طبيعي من حيث ان الانسان حيوان اجتماعي، لذلك فعلى المواطنين الخضوع للقانون و الا تقوض المجتمع ، فالانسان لا يوجد بدون مجتمع ، و متى و جد الحاكم و جد القانون. و القانون عند الاكويني اربعة نوعيات: نوع واحد فقط من عمل الانسان و هي كالاتي

_1القانون الازلي: و هو صنع الله، فالكون خاضع لهذا القانون الازلي، و الاعتناء الالهية هي التي تنظم و تسير ذلك الكون. ذلك القانون الخالد تستمد منه القوانين الصالحة قوتها و هو مصدر لكل القوانين الصحيحة.

_2القانون الطبيعي: و هو انعكاس للنور الالهي بالمخلوقات و السير بموجبه و يتجلى هذا بميل الانسان الطبيعي لعمل الخير و اجتناب الشر قدر المستطاع .

_3القانون الالهي: و هو الوحي او التنزيل ، اي هو ما و صلنا بواسطة الكتب المقدسة، و توما يقرر ان العقل و الوحي لا يتعارضان، مع العلم ان الوحي يعلو على العقل، و الانسان لا يستطيع ان يصل الى جميع الحقائق الدينية عن طريق العقل و حده لانه يعجز عن فهم الحقائق الغيبية . فالوحي يؤيد العقل و ليس نقيضا له و هما من نسيج واحد، لان الله و هب العقل للانسان و اوحي بالوحي الى الانبياء .

4 القانون الانساني او الوضعي: و هو من صنع الانسان، و يعد كناية عن التشريعات التي يستنتجها الانسان بعقله من القانون الطبيعي فهو مشتق منه، وضع لينظم حياة الافراد داخل المجتمع و يتعرض للعقاب من يخالف قواعده. و هو نسبي و غير معصوم من الخطا و ربما يتعارض مع القانون الانساني بمجتمع احدث .

اما القانون الازلي و الالهي يمثلان الغاية النهائية من اللاهوت المسيحي. و يرى الاكويني ان طاعة القانون و اجبة طالما كان عادلا، اما القانون الظالم فاذا كان معارضا للقانون الطبيعي و القانون الالهي و القانون الازلي فلا تجوز له الطاعة باي حال من الاحوال، اما اذا كان معارضا لحق ثانوي فيطاع متى كانت مخالفته اشد خطرا على المجتمع.

وفي الاخير يتضح لنا ان فلسفة الاكويني السياسية هي ثمرة تاليفه بين النظريات المسيحية و الوثنية، فقد جعل الفلسفة تابعة للدين و وظفها لايضاح العقيدة المسيحية بواسطة المفاهيم الارسطية، و منه فالحقيقة عنده واحدة و هي الحقيقة الدينية لان العقل و النقل لا يتعارضان، كل هذا جعل بعض المفكرين يعتقدون ان بذور فكرة العلمانية بدات بالبروز مع البناء الذي شيده القديس توما الاكويني.

629 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.